آخر تحديث :الأحد-19 أبريل 2026-03:15ص

مضيق هرمز بوابة الحرب والسلام

السبت - 18 أبريل 2026 - الساعة 06:09 م
علي ناصر محمد

بقلم: علي ناصر محمد
- ارشيف الكاتب


في الثامن من ابريل من هذا الشهر، حين هدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمحو الحضارة الإيرانية، وقف العالم على أعصابه مترقّبًا، في لحظة دولية شديدة الحساسية أعادت إلى الأذهان واحدة من أخطر محطات القرن العشرين، حين بلغ التوتر ذروته خلال أزمة الصواريخ الكوبية في الكاريبي عام 1962، حينها كاد العالم ان ينزلق إلى مواجهة نووية شاملة، قبل أن تتدخل الحكمة السياسية لتجنّب الانفجار الكبير بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي بقيادة الزعيمين جون كينيدي ونيكيتا خروتشوف، فسُحبت الصواريخ السوفيتية، وتعهدت أمريكا بعدم القيام بالعدوان على كوبا حتى اليوم.


ولتجنب الانفجار في مضيق هرمز قامت باكستان ومصر والمملكة العربية السعودية وتركيا بعرض وساطتها بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، نتج عنها هدنة مدتها أسبوعين، ظنّ كثيرون أنها بداية لمسار دبلوماسي حقيقي. وفي الحادي عشر من ابريل، انعقدت في إسلام آباد مباحثات بين نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، في مشهد بدا وكأن العقل بدأ يتقدّم على السلاح.


انتهت إحدى وعشرون ساعة من المفاوضات المضنية دون اتفاق، لتمسّك واشنطن بإملاء شروطها، فيما طالبت طهران بوقف الحرب والإفراج عن أصولها المجمّدة، والحفاظ على دورها في أمن مضيق هرمز، ووقف العدوان الإسرائيلي على لبنان.


وهكذا انهارت جولة التفاوض، لأن الهدف الامريكي كان انتزاع تنازل لا صناعة سلام.


كان العدوان على إيران رهانًا خاسرًا لتغيير النظام وبنية النظام السياسي، في محاولة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية وفق الإرادتين الأمريكية والإسرائيلية، وفرض وقائع جديدة في المنطقة ضد إرادة شعوبها.


ويعلّمنا التاريخ أن مثل هذه الرهانات، مهما بدت مغرية في لحظة معينة، قد تتحول إلى شرارة لصراعات أوسع، كما حدث عقب اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند في 28 يونيو 1914، الذي أشعل فتيل الحرب العالمية الأولى، وأسفر عن مقتل نحو 20 مليون إنسان وسقوط إمبراطوريات كبرى، أبرزها النمساوية المجرية والعثمانية والروسية القيصرية.


ولم تكد البشرية تلتقط أنفاسها حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية ، التي أعادت تشكيل النظام الدولي سياسياً واقتصادياً وجغرافياً وراح ضحيتها اكثر من 70 مليون انسان.


وفي أعقابها، جاء مؤتمر يالطا عام 1945 ليؤسس لمرحلة الاستقطاب الدولي بين الشرق والغرب، التي تجسدت في الحرب الباردة، حيث ظل العالم محكوماً بتوازن الردع والصراع غير المباشر.


ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك حلف وارسو، برزت مرحلة القطب الواحد بقيادة الولايات المتحدة، التي وسّعت نفوذها عبر ١٢٨ قاعدة عسكرية كبرى حول العالم ما مكنها من الاعتداء على العراق وأفغانستان وليبيا والصومال، وأخيرًا وليس آخرًا إيران، في سياق فرض الهيمنة الأمريكية- الإسرائيلية على منطقتنا وكسر التوازنات الدولية التي تسعى لإنهاء حقبة القطب الواحد.


اليوم، يعود العالم إلى نقطة توتر جديدة، حيث تتقاطع المصالح الدولية في منطقة الخليج، التي تشكّل شريان الطاقة العالمي إذ لم يعد النفط مجرد مورد اقتصادي منزوعا من بعده الجيو اقتصادي، وأصبح عنصراً حاسماً في معادلة الصراع وشرارة محتملة لمواجهات واسعة قادمة.


ولعلّ ما طُرح في أدبيات غربية، ومنها ما كتبه هنري كيسنجر الذي أصبح انجيلاً ، يكشف عن رؤية استعمارية تعتبر الشرق الأوسط ساحة نفوذ غربي حصرية ولإعادة تشكيل المنطقة وفق المصالح الأمريكية- الإسرائيلية، والسيطرة على منابع الطاقة بوصفها مفتاح النفوذ العالمي. وفي هذا السياق، لم يكن العدوان على إيران بعيدًا عن تلك الطروحات وسيناريوهات تغيير موازين القوى إقليميًا وعالميًا.


إن العالم اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن تنتصر فيه لغة الحوار والعقل، أو ينزلق الجميع إلى صراع مفتوح لا يمكن التنبؤ بنتائجه أو نهايته في ظل صمت دولي .


إن استمرار شلل المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن، لم يعد مقبولاً، ولا يعكس واقع العالم المعاصر، ولذلك فإن إعادة النظر في بنية النظام الدولي باتت ضرورة ملحّة، وفي مقدمتها إصلاح مجلس الأمن، باعتماد مبدأ الأغلبية للحد من استخدام حق النقض (الفيتو)، الذي أصبح أداة لتعطيل إرادة المجتمع الدولي، والتحكم في مصائر الشعوب، وإنكار العدالة، كما هو الحال في دعم الاحتلال الإسرائيلي والحؤول دون حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.


ومن هنا، تبرز الحاجة إلى نظام دولي أكثر عدالة يقوم على توسيع عضوية مجلس الأمن، بما يمنح تمثيلاً حقيقياً للدول النامية، وإنصاف الدول العربية التي يبلغ عدد سكانها نحو 473 مليون نسمة وتمتد على مساحة تقارب 14 مليون كيلومتر مربع، والدول الأفريقية التي يتجاوز عدد سكانها 1.57 مليار نسمة على مساحة تقارب 30.3 مليون كيلومتر مربع، ودول أمريكا اللاتينية التي يناهز عدد سكانها 671 مليون نسمة وتمتد على مساحة تقارب 30 مليون كيلومتر مربع، بما يعكس ثقلها الجغرافي والديمغرافي والسياسي والاقتصادي لإضفاء الشرعية على القرارات الدولية، وللحد من اختلالات النظام العالمي الراهن.


إن احتكار الدول الخمس دائمة العضوية للسلاح النووي، بالتوازي مع احتكارها للقرار الدولي، يكرّس اختلالاً بنيوياً في النظام العالمي، ويضع مصير البشرية رهينة لتوازنات القوة لا لمبادئ العدالة.


وقد أثبتت التجربة التاريخية، منذ هيروشيما وناغازاكي، أن هذا السلاح لا يشكّل ضمانة للأمن والسلام في العالم بقدر ما يمثل تهديداً وجودياً دائماً للإنسانية.


ومن هنا، فإن الطريق نحو نظام دولي أكثر توازناً واستقراراً يمر عبر التزام جاد بنزع السلاح النووي بمافيه الإسرائيلي وحصر استخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية تحت إشراف ورقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يمنع الانحراف نحو الاستخدامات العسكرية، ويضمن توجيه هذه الطاقة نحو مسارات التنمية والازدهار لشعوب العالم، بما يشكل ضمانة حقيقية لتعزيز السلام والاستقرار الدوليين.


ورغم أن البعض قد يرى في ذلك طرحًا مثاليًا يصطدم بمصالح القوى الكبرى وحلفائها، إلا أن البديل هو الإبقاء على عالم يعيش على حافة الهاوية.


إن بقاء هذا السلاح خارج السيطرة لن يقود إلا إلى تعميق سباق التسلح، وإبقاء العالم مهددًا في أي لحظة بكارثة قد تفضي إلى فناء البشرية.


إن المنطقة العربية ليست بعيدة عن هذه المخاطر، لأن التواطؤ مع إسرائيل بلغ أقصاه ومكّنها من رفض التوقيع على معاهدة عدم الانتشار النووي ووضع مفاعل ديمونة تحت رقابة دولية. هذا التدليل الدولي لدولة الاحتلال يشجعها على اعتداءاتها واستمرار احتلالها لأراضٍ عربية اكثر ، وهذا الوضع لن يطرأ عليه تغيير حتى مع بداية تفاوض مع لبنان للسلام الذي وصفه نتنياهو بأنه سلام من موقع القوة لتحقيق الحلم الصهيوني بإقامة إسرائيل الكبرى على حساب دول وشعوب المنطقة. ونأمل أن لا يتحول هذا السلام إلى تطبيع مدمر للبنان وغير لبنان في ظل غياب مشروع عربي قومي قادر على المواجهة المشروع الصهيوني التوسّعي.