تابعت باهتمام الروبورتاج المرئي اللي نُشر مؤخراً عبر حساب هيئة الشؤون الخارجية للمجلس الانتقالي الجنوبي، واللي يغطي تفاصيل زيارة الأستاذ عمرو البيض وفريقه للعاصمة الأمريكية واشنطن واللقاءات التي عُقدت مع الكونغرس ومراكز الأبحاث والإعلام الأمريكي لطرح قضية الجنوب. وفي وسط هذا التقرير، استوقفني تصريح قوي وواضح للأستاذ عمرو لما قال: "طالما أن هناك قضية موجودة فيجب أن يكون لها حل.. نريد أن يكون هناك استفتاء حتى نعرف رأي الجميع، ومن حق شعبنا في الجنوب أن يقرر ماذا يريد، نحن لا نريد وصاية على أحد". وختم كلامه بجملة في الصميم قائلاً: "اليوم الشعب في الميدان هو الذي يتحدث، وهو الذي ينطق بما يريد، وليست الغرف وليست الأوراق".
بصراحة وبدون أي مجاملة، الشغل الدبلوماسي اللي بيصير جهد محترم، وهذا الكلام اللي قاله البيض يلامس قلب كل جنوبي، وتأكيده إن المجلس الانتقالي بيواصل عمله لتمثيل تطلعات شعب الجنوب حتى استعادة دولته يمثل التزام مقدر. الفكرة بحد ذاتها حق أصيل ومطلب شعبي. بس من وحي هذا الطرح، وبالذات جزئية إننا نشتي "استفتاء" وإن "الشعب يقرر بعيداً عن الغرف والأوراق"، خلينا نفكر فيها بعيد عن العاطفة، ونوزنها بحسب ما يقوله الواقع والقانون الدولي، ونسأل نفسنا سؤال كبير: هل إحنا فعلاً جاهزين لخطوة مصيرية مثل هذه؟
بالعرف السياسي والقانون الدولي، الاستفتاء على الاستقلال مش مجرد صندوق يروحوا يصوتوا فيه اللي يشتوا الاستقلال ويقولوا "نعم" وبس. الاستفتاء هو تصويت يشارك فيه كل المقيمين بشكل قانوني داخل الجغرافيا حقتك. وهنا يجي "الشرط الذهبي" عشان ينجح أي استفتاء: لازم تكون عندك سيادة كاملة على "السجل المدني" حقك، عشان تعرف تحدد مين هو المواطن الأصلي اللي يحق له يصوت، وتستبعد المقيمين المؤقتين والنازحين اللي مالهم حق بالقرار.
ولما نسقط هذه القاعدة على واقعنا المعقد في الجنوب، نكتشف إننا فاقدين لأهم مقومات الاستفتاء. الجوانب الفنية والتنظيمية فالتة ومش بيدنا؛ إحنا قدام كارثة سيادية، فقاعدة بيانات البطايق الإلكترونية القديمة لسا تتحكم وتدار من صنعاء (يعني من الغرف والأوراق اللي نرفضها)، وفي المقابل، نظام البطايق الذكية الجديدة ماسكته وتديره السعودية. هذا الضياع للسجل المدني يجرنا للمصيبة الأكبر: التغيير الديموغرافي الممنهج واللعب بالتركيبة السكانية اللي صار بالجنوب منذ حرب 2015م وزاد في آخر خمس سنوات. موجات بشرية هائلة من أبناء الشمال دخلت تستوطن تحت عذر "النزوح"، والمصيبة إنهم صرفوا لمئات الآلاف منهم بطايق ووثائق رسمية تثبت كذباً إنهم من أبناء المنطقة.
تخيلوا معايا.. بناءً على هذا الواقع، لو رحنا اليوم لصناديق الاقتراع بهذه الكشوفات المضروبة، بنكون بننتحر سياسياً برضانا! دخولنا في استفتاء يشارك فيه هؤلاء الوافدين كـ "مواطنين" بحكم الوثائق اللي معاهم، يعني إن النتيجة محسومة سلفاً ضد الاستقلال، وبنكون بكل بساطة أعطينا خصومنا أداة "ديمقراطية" وقانونية يدفنوا بها قضيتنا للأبد.
وفوق هذا كله، تجارب العالم تعلمنا إن الاستفتاء ما يجي من فراغ. شوفوا مثلاً "جنوب السودان"، ما نجحوا وانفصلوا إلا بعد اتفاق سياسي أعطاهم حق إدارة أرضهم لست سنين، نظفوا فيها سجلاتهم ورتبوا مؤسساتهم. في المقابل، لو قفزنا للاستفتاء وإحنا مش مسيطرين فعلياً وبدون اتفاق ملزم، بنكرر الغلطة حق استفتاء "كتالونيا" بإسبانيا أو "كردستان" بالعراق؛ وقتها بتتحول القصة إما لهزيمة ديموغرافية من الداخل، أو لخطوة من طرف واحد ما حد بيعترف بها في العالم ولا بتجيب لنا دولة.
الخلاصة المنطقية بالعربي: حط العربة قدام الحصان ما يجيب استقلال. أي تفكير في استفتاء حقيقي، عشان يكون فعلاً "الشعب في الميدان هو اللي يتحدث"، لازم تسبقه خطوات ما فيها تنازل: نفرض سيطرتنا الكاملة على الأرض، نستعيد سجلنا المدني ومؤسساتنا من "الغرف" اللي تتحكم فيه، وندير الجنوب إدارة وطنية خالصة لفترة انتقالية كافية عشان ننظف السجلات ونفصل ملف النازحين عن المواطنين الأصليين، ونجيب اتفاق سياسي يضمن الاعتراف بالنتيجة. وقتها بس، بيكون الاستفتاء تتويج لتعب ونضال شعبنا، مش فخ ديمقراطي نضيع فيه قضيتنا.
#فارس_العزيبي