آخر تحديث :السبت-18 أبريل 2026-02:46ص

أيديولوجيا الجوع: كيف ننتصر في الخطابات وننهزم أمام "كيس الدقيق"؟

الجمعة - 17 أبريل 2026 - الساعة 11:57 م
محمد أحمد العولقي

بقلم: محمد أحمد العولقي
- ارشيف الكاتب



بقلم: محمد أحمد العولقي


يبدو أن المنظرين السياسيين حين تحدثوا عن فشل الأيديولوجيات "الخلاصية" في بناء الدول، لم يضعوا في حسبانهم النموذج الفريد الذي يُطبّق الآن في عدن والمناطق المحررة؛ فنحن هنا لا نواجه أيديولوجيا واحدة، بل نحن أمام "بوفيه مفتوح" من العقائديات المتصارعة التي اتفقت جميعها على شيء واحد: أن التنمية رجس من عمل الشيطان، والخدمات ترف لا يليق بشعب "صامد" يقتات على الصبر الجميل. في الجنوب، لا تسأل عن الدولة ككيان خدمي، بل اسأل عنها كـ "فكرة" هلامية؛ فالشرعية هنا ليست مجرد صفة سياسية، بل هي حالة من النزوع التمامي الذي يرى أن مجرد وجود المسؤول في مكتبه (أو في جناح فندقه الفاخر) هو بحد ذاته إنجاز تاريخي يستحق الانحناء والإشادة.


تتحدث الأيديولوجيات الحاكمة بلسان حالها المزدوج عن "الخلاص القادم"؛ سواء كان خلاصاً عبر "استعادة مؤسسات الدولة" أو "استعادة السيادة الوطنية"، ولكن على أرض الواقع، الخلاص الوحيد الذي يلمسه المواطن هو خلاص بطارية "الخازن" من الشحن قبل أن تبدأ نوبة الانقطاع الجديدة. الدولة الحديثة التي يُبشرون بها تعاني من فوبيا "الإنجاز الملموس"؛ فبناء مدرسة أو رصف طريق قد يُفسد هيبة "القضية الكبرى" ويشغل الناس عن الشعارات العظيمة، وكأن لسان حال السلطة يقول للمواطن: كيف ننشغل بإصلاح شبكة الصرف الصحي ونحن بصدد صياغة مستقبل الأمة وإعادة رسم خارطة المنطقة؟


إن سيكولوجية "خيبة الأمل" الممنهجة التي يعيشها الناس اليوم تجاوزت مراحلها الفلسفية؛ فالمواطن في عدن لم يعد ينتظر من "الشرعية" أن تلغي الفقر أو تحارب التخلف، بل صار يطالبها فقط بممارسة "فن الممكن" في إقناع التجار بتثبيت سعر "كيس الدقيق" أو "علبة السمن" لمدة أسبوع واحد فقط، كنوع من الهدنة الإنسانية مع معدته، لكسر حدة الرعب الذي يصيبه كلما اقترب من رفوف البقالة. لقد تحولت الدولة المؤدلجة إلى كيان "وعظي" بامتياز؛ فإذا اشتكيت من غلاء المعيشة، ذكّروك بالتضحيات الجسام، وإذا تساءلت عن غياب الكهرباء في حر الصيف، حدثوك عن المؤامرات الدولية الكونية التي تستهدف مشروعهم. لقد نجحت السلطة ببراعة في تحويل "العجز" إلى "موقف سياسي صلب"، وتحويل "الفشل الخدمي" إلى "ابتلاء وطني" يجب الصبر عليه لنيل الرضا الأيديولوجي.


بينما يحمل الوزير حقيبة مليئة بالخطط "الاستراتيجية" لعام 2090، يحمل المواطن خلفه "دبة" بترول يبحث لها عن محطة لا تخضع لـ "تجاذبات المرحلة"، مما يؤكد أن الحقيقة المرة التي يهرب منها الجميع هي أن "المنزع التمامي" حوّل السياسة إلى "طقوس مقدسة" لها كهنة وسدنة يقتاتون من فتاتها، لكن ليس لها "رعية" تشعر بالأمان أو الكرامة. الناس اليوم لا يكفرون بالأيديولوجيا لأنها دينية أو علمانية، بل يكفرون بها لأنها أطعمتهم "الأوهام" وتركتهم يواجهون واقعاً ينهش ما تبقى من جسد الدولة المنهك. إن بناء الدولة الحديثة يتطلب "عقولاً هندسية" تؤمن بالأرقام، لا "حناجر خطابية" تؤمن بالمعجزات، وطالما بقيت الشرعية ومكوناتها حبيسة الشعارات الخلاصية، فستظل عدن هي المدينة الوحيدة في العالم التي تمتلك "ثواراً" أكثر من عمال النظافة، و"قادة" أكثر من أعمدة الإنارة المضيئة.