آخر تحديث :الجمعة-17 أبريل 2026-03:49م

بواعث الرؤية الحضارية العربية بين معوقات الدولة الفاشلة وفشل الإدارة السياسية

الجمعة - 17 أبريل 2026 - الساعة 02:08 م
د. جمال الهاشمي

بقلم: د. جمال الهاشمي
- ارشيف الكاتب


عندما تفشل السياسة والإدارة والعدالة عن ترجمة وقائعها في المجتمع تستدعي المجتمعات التاريخ للنظر المقارن بين ذاتها والآخر وتحاول بهذه الرؤية أن تشكل نداءات فكرية للخروج من هذا الفشل.

لماذا تخلفنا؟..

هل الإشكالية في الدين كما تروج له القوميات السياسية الفاشلة أم في اقصاء الدين كما تروج له تيارات الأسلمة ..

وبين هذا وذاك يتجاهلون معا علل الممارسة والأفهام والعقل بمقيدات الانشغال بالسلطة وإشغال المجتمع في البلاد المأزومة بالتعصب والبحث عن القوت و بالأثرة والثروة ومقيدات استلاب العقل بالترفيه والمتعة ومظاهر الحضارة السطحية في البلدان المترفة.

وهنا يكمن الخلل المنهجي في تناول الدين وفهمه واقامته بقيمه الحقيقية المحددة بأصوله وسياقه وليس بالذوق العام وأهواء السلطة والتكيف مع الأعراف إلا عرفا فيه مصلحة شرعية أو معتبرة أو عقلية أو إنسانية بينة.

إن العالم الغربي تمكن من إزاحة الدين فتقدم وتمكنا من إزاحته فتخلفنا وهنا يتبادر سؤالا إشكاليا آخر .

ما الفرق بين إزاحتنا للدين وإزاحتهم وأين خللنا في تقليد الغرب ومكامن خللنا في تقليد من سبق ؟

و بعد بحث في واقع المجتمعات العربية والإسلامية وجدت أن الخلل في التكوين بين ثلاث مستويات :

- تكوين الفرد وعلته تأتي من ثلاث مصادر ؛ التعليم والتربية والمجتمع .

- تكوين المجتمع وعلله أتت من ثلاث مصادر التنظيم والتنمية والسياسة .

- تكوين البيئة السياسية وعللها أتت من المجتمع والقانون والإدارة.


إن الغرب تخلى عن أي معرفة دينية تتعارض مع المصلحة والإنسانية والأخلاقية لكنه أعاد ترتيبها ضمن سياق الدولة كقيمة عملية نفعية جعلها من أهم مرتكزات فلسفته العلمانية والتعليمية والتربوية والعقلانية والحضارية.

ولمن أراد التوسع فعليه دراسة جذور النشأة العلمانية بموضوعية في بداية النشأة وليس مع تطورها الأيدلوجي الحداثة عن كثب بمتابعة مآثرها وعن كتب من مصادرها الأولى وليس أن يحشد الباحث كل ما سقط عليه عينه منها وخصوصا ما كتبه تيار الأسلمة دون سياق الرحلات التي وضعها العرب القدامى منهجا في معرفة الآخر وليس عن ترجمة اتبعت منهج المخالفة دون حكمة شرعية تتوخى المصلحة والفائدة .

إما نحن فقد أقصينا القيم العملية للدين وانشغلنا بالميتافيزيقا الأخروية من جهة إنتاج المعتقدات التنظيمية والممارسة السياسية من جهة الصراع بين الفلسفة والشرعية والواقع والمثالية والوسيلة والعقلانية فأثر ذلك على معتقداتنا الاجتماعية وقيمنا الأخلاقية وهنا تكمن إشكالية البحث عن الأمن من جهة وفقدان الإيمان من جهة أخرى .

وهنا يأتي تساؤل آخر هل أسس الإسلام بالأمن أولا أم بالإيمان؟

وهذا السؤال يشرح لنا بوضوح معنى العلمانية ولكن بمنهحية إسلامية واضحة جمعت بين النص والواقع في أطر ثلاثة ؛ البيئة الاجتماعية ثم التبيئة القانونية وإخير التبيئة السياسية ..

ومن زاوية نقدية أخرى نرى أن تخلفنا وقوارضنا المجتمعية قد أتت من الفلسفات المتأسلمة وليس الفلسفات الوافدة وانشغالنا بالرد عليها أو أسلمتها ضمن سياقات عقدية محدثة خلال عصري الشروح والاختصارات في عجز تاريخنا الإسلامي وتحديدا في النصف الثاني من دولة بني العباس وحتى النصف الثاني من دولة بني عثمان .

وقد توسعت اليوم مع عصر التهافت والأهواء الفردية تارة بمنهجية التوفيق بين إسلامنا الإنساني وأنسانية الغرب المتقدم من منظور العقيدة لا الفقه الذي يترجم مدنية الشريعة في الواقع وفي بناء الإنسان الحضاري.

ومن ثم دخلت هذه الصور المتثاقفة بين الفلسفة والعقيدة والمتغير في المجال العام وثكنته في معتقدات الطائفية والتحزبات الدينية تحت شعار إنا برآء منكم..

شعار حق استظل به الباطل.

ونتيجة لهذا التطرف العقدي نشأت نظرية التماهي الديني لمواجهة تنظيمات الأسلمة السياسية واستحدثت أديانا أخرى اشبه بالحاضنة الهندوسية للمعتقدات لاعتبارات سياسية واقتصادية وفلسفية ساهم في تشريعها الفقه السياسي الذي يتوازى أو يتساوى مع الفلسفة البرهمية .

وقد بدأت من خلال مداخل الحوار الديني أو حوار الأديان ثم حوار الحضارات وهي من مبتدعات الأسلمة ومسلمي الغرب الذين يريدون توطين الإسلام في الغرب تحت مظلة الديمقراطية والتعايش والقبول بالآخر والتكيف معه وفي المقابل توطين الأديان الأخرى في جزيرة العرب تحت استراتيجية المعاملة بالمثل ولا شك أنه ومن خلال مسلمي الغرب المهاجرين تطور فكر الأسلمة والإسلام السياسي في العالم الإسلامي حيث بدأت تستحدث فيه أصولا فلسفية تأويلا او توفيقا.

وهنا تكمن إشكالية تدمير القيم بالعنف وتوظيفها في السياسة ؛ فإما أن تكون الديمقراطية وسيلة وهي من الموضوعات التي ساهمت في توسيع التقية الدينية .

والديمقراطية والعلمانية من مداخل توطين الفكر السياسي الإسلامي في الغرب توطينا سياسيا -نفعيا أكثر منه إنسانيا ورساليا .

ومن داخل الإسلام السياسي والديمقراطي الغربي بدأت الاسلمة تنحو نحو توحيد التعدد الديني وإلغاء مساحة الاختلاف والتمييز السنني بداية تحت فلسفة الأبوة الإبراهيمية وتارة تحت مظلة الحضارات الإنسانية .

وبتأصيلات الإسلام السياسي وفقهاء التنوير والحداثة ازيح الثابت وعطلت المفاهيم الأصولية وتحولت عن ثباتها إلى المتغير المتكيف مع أدوات الديمقراطية والعلمانية الأيدلوجية وهي من أهم صور التحولات الفكرية فيها بسبب وجود الإسلام السياسي في الغرب واستراتيجية توطين الإسلام وتهجينه.

وإذا نظرنا إلى مفهوم الجدال الديني المركب وهو من مفاهيم القرآن سنجده قد خرج عن مواضعه ومعاييره وضوابطه .

إنه اليوم ليس جدالا بل حوارا وهو ما جعله فلسفة ايدلوجية دخيلة مفاهيميا لأن أساس التواصل مع الأديان يقوم على الجدال ويؤسس من خلال منهجية الاختلاف وهو ما يستدعي في هذا النهج البحث عن أصول أولية تقوم على التوحيد وإذا تحققت كلمة التوحيد تبدأ حينها منهجية الجدل وهي من أهم مناهج التواصل مع المعتقدات السماوية .

ورغم أن الحوار مفهوم ديني إلا أنه وظف خارج سياق الضوابط القرآنية لأنه يتخذ من منهجية المقاربة أساسا وغالبا ما يكون ضمن أصول كلية مشتركة أو اختلافات فرعية في المنظومة الواحدة ولذلك حدد القرآن المفاهيم والمصطلحات والبينات وبنى عليها العقل في النص نظرياته الواقعية وما دون ذلك من نظريات فهي فلسفة مجردة لا ثبات لها ولا دليل .

وحتى يعيش الإسلام في فوضوية النظريات المستحسنة عقلا ضربت المفاهيم الإسلامية باسم الدين وبهذه النمطية زرعت فلسفة التحريف (يحرفون الكلم عن مواضعه) .. أي يفلسفونه وكل فلسفة تحريفا وهي من أهم مداخل تحريف المعتقدات والفقه المعاصر.

إن الأزمة اليوم هي أزمة نخبة في عقلها ومعقولاتها وقد فتح الإسلام السياسي الباب لتوظيف الدين الثابت في الديمقراطية المفهوم الغربي المتغير ووطنته في الاسلام لفتح طريق التأويل للعامة والحكام وتبعتها القومية التي فصلت المجتمعات عن قيمها ودينها ابتداء لتعيد انتاجه لمنافسة الاسلام السياسي على المجال العام لتبدأ مرحلة جديدة من توظيف المعتقدات سياسيا من قبل السلطة والمعارضة وبينهما تطرفت المجتمعات .

وهنا أؤكد بأن كل ضر في قيمنا وأخلاقنا وأعرافنا إنما جاء تحت مظلة توظيف الأحزاب والنظم السياسية للدين بغية السيطرة على المجال العام وتكمينه بدلا من تمكينه مما ترتب عليه تضييق عالمه الحضاري والإنساني وإلغاء دوره مجتمعا ودولة وحاكما.

وبسبب هاتين النزعتين نشأ مفهوم الإرهاب الذي عطل شرعية المقاومة والحوار الديني الذي سيس القيم الدينية والتطبيع الذي عطل المنهجية.

وبهذه السياقات الفقهية المعاصرة ضربنا الإنسانية الإسلامية في عمق أنسنتها وغابت معها معالمها في فهمنا للأصول الثابتة .

لقد تعددت الاستدعاءات التاريخية من جهة والرمزية المعاصرة من جهة أخرى وتعدد النظر بين الأخذ برموزنا الدينية المعاصرة ورموز التاريخ الاسلامي النقي ونصبنا لها مشاريع شخصية ومذهبية وعقدية مختلفة .. فتارة نستدعي التجديد للخلافة الإسلامية ولكننا نسميها بمسمياتنا الأيدلوجية .

نستدعيها تارة باسم عمر عندما نفتقد العدل و بأبي بكر عندما نفقد الإحسان و بعثمان عندما تكون الأثرة و بعلي عندما يغيب الحق ونستدعيها بالحسن عندما تغيب المصالحة أو بالحسين عندما يفشو الظلم ونستدعيها بمعاوية عندما نعاني من التدخلات الدولية و بعبد الملك بن مروان عندما ننشد القومية وننشدها بابن عبد العزيز عندما تعزونا الحاجة ثم بصلاح الدين وقطز للدفاع والمقاومة ثم محمد الفاتح عندما نشعر بالتهديد والمؤامرة .

وخلطنا في استداعاءاتتا بين التجربة والخلافة وبين المتغير والثابت وبين الأصل والقياس وبين العرف والاستحسان دون تدقيق في كل نموذج ودون أن نهيئه نموذجا في برامج عملية تعي متطلباتها المعاصرة ومعاييرها السابقة.

وبهذه النماذج ازحنا الماضي ثم تركناه للمستقبل بحثا عن النموذج المفقود.

وهو انتقال وظيفي من الدعوة لتجديد الخلافة إلى استدعاء المهدية فتخبطت العامة إذ يرى كل مجتمع من حاكمه منقذا ومهديا ونبيا في تأويلات استشرافية جديدة للدين لكنها نشأت اليوم من داخل المعاناة والاختلاف وفساد الأخلاق والقيم .

وقد تعددت بين مهدية السنة والشيعة ومعتقدات بينهما وكل يبني ما يشاء لغاية معجلة أو مشيئة مؤجلة وبين صحة الماضي ونداءات المستقبل تعطلت المشاريع المعاصرة تارة بالعنف والإكراه وتارة بالتكيف والإهدار .

إن الأزمة في الغالب ليست أزمة نظام سياسي بقدر ما هي أزمة نموذج كامن خلف هذا النظام فالسيااسة في صورتها الإجرائية هي انعكاس للبنية الحضارية في تصورها للإنسان و الوجود وموقع القيم في حركة المجتمع.

وعندما تفشل النظم السياسية فإن ذلك يشير إلى خلل بنيوي في المرجعية التي تنتجها بمعنى آخر فإنه لا يمكن قراءة إخفاقات الواقع السياسي بمعزل عن الإطار الحضاري الذي يحكمه كما ان النظام الذي يختزل الإنسان في كائن اقتصادي أو رقمي ويعيد تعريفه بوصفه وحدة استهلاكية لا يمكن أن يؤسس لعدالة حقيقية حتى لو امتلك مؤسسات متطورة.

و هنا يظهر الفراغ الدلالي حيث تتضخم الأدوات وتتهافت المعاني فتتحول الدولة إلى آلة عسكرية جبرية والمجتمع إلى الفوضى العبثية في الأولى تسقط الغاية وفي الثانية تضمر الروح.

وتبقى إشكاليتنا تبحث عن الإنسان الذي نريد بناءه و ما هي القيمة التي تضبط حركتنا الحضارية ؟ و هل نحن امتداد لنموذج عالمي مهيمن أم أننا قادرون على إنتاج نموذجنا الخاص؟

هذه التساؤلات لا تنتمي إلى المجال السياسي الضيق وإنما تنتمي إلى الحقل الحضاري الأشمل حيث تتقاطع المعرفة بالقيم والتاريخ بالمستقبل.

إن ما يميز الحاجة الحضارية عن الحاجة السياسية هو عمقها الزمني واتساعها المفهومي؛ فالسياسة تتحرك عبر مراحل قصير نسبيا محكومة بتوازنات القوة ومقتضيات القوى الدولية وفروضها .

بينما يتحرك النموذج الحضاري في ضمن سياق تاريخي ممتد يسعى إلى إعادة تشكيل الإنسان قبل إعادة تنظيم السلطة ومن هنا فإن أي محاولة للإصلاح السياسي دون مراجعة حضارية عميقة تظل سطحية لأنها تعالج الأعراض دون المساس بالماهيات والجذور.

لقد أظهرت تجارب التاريخ أن المجتمعات التي استطاعت تجاوز أزماتها لم تفعل ذلك عبر تبديل النخب الحاكمة فحسب وإنما عبر إعادة بناء منظومتها المفاهيمية أي أنها أعادت تعريف المفاهيم وتحويلها إلى قيم إجرائية كالحرية والعدالة والمعرفة والهوية وهذه العملية ليست تقنية مستوردة وهنا تبدأ عملية إعادة تعريف النخبة لأن تناول المفاهيم من خلالها يعني تناول مفاهيم عبودية يجلبها العبيد .

وبناء عليه فإنه لا يمكن أن تتحرر النخب السياسية والنخب الفكرية لأن تحررها يعني سقوط شرعيتها من جهة وعجزها من جهة أخرى .

ولذلك بدأت سنن الله في تغيير النظم التي بلغت حطب كل زعيم منها أكثر من خطب الإسلام من بداية التأسيس حتى أفول عزة المسلمين وتسليم الرآية للمقاولين بعد الاستعمار.

ولا يعني ذلك أنهم لا يسعون للإصلاح بل يسعون ويمكن قياس نمطية هذا التوع من الإصلاح بمقاييس القرآن (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) .

ومن نماذج التاريخ خروج بني إسرائيل العبيد من مصر بقيادة موسى (ع) فتحررت بنجاتهم اجسامهم ولم تتحرر عقولهم ، والفرق بين الحر والعبد إنما يبدأ من العقل وليس من حقوق الإنسان.

إن المجتمعات العبدة تفشل إن أرادت التحرر لأن للحرية شروط تسبق التحرير كما أن النظم التي تسعى للتحرر بعد أن صنعها الاستعمار تسقط بمعاوله.

إن المشكلة تبدأ بالوعي الحضاري لأنه منا يستدعي إعادة صياغة وعي الإنسان بذاته وبالعالم .

إن التحول الحضاري لا يتم عبر نقل مظاهر الحضارة والقفزات الفجائية وإنما عبر التراكم الهادئ الذي يبدأ من إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه كائن مركب ماديا وروحيا فردا وجماعة و تاريخا ومستقبلا ولا شك بأن أي نموذج يتجاهل هذا التعقيد م محكوم عليه بالفشل حتى لو حقق نجاحات مؤقتة.

أما الخطر الأكبر فهو أن يتم التعامل مع الفشل السياسي بوصفه أزمة إدارة وليس أزمة رؤية و في هذه الحالة يتم اللجوء إلى حلول و إصلاحات شكلية وتغييرات إدارية أو استيراد نماذج جاهزة.

غير أن هذه الحلول وإن بدت ناجحة في المدى القصير فإنها تعمق التبعية وتؤجل الانفجار لأنها لم تعالج إشكالية البحث عن المفقود في تساؤلنا.. ما هو نموذجنا الحضاري؟

إن استعادة الفعل الحضاري لا أقصد به الانغلاق أو القطيعة مع العالم وإنما تمكين القدرة على التفاعل النقدي معه؛ أي أن نأخذ دون أن نتماهى وأن ننتج دون أن نقلد وإن كان التقليد أصعب علينا لأننا نستورد كل ما نحتاج بعقول تنتج حضارة إنسانية بينما ننتج عقولا تهتقدمها.

ومع هذا فإن الطريق نحوها يتطلب استقلال في الرؤية قبل الاستقلال في القرار لأن التبعية الحقيقية تبدأ من العقل قبل أن تتجلى في الواقع.

وفي النهاية يمكن القول إن فشل النظم السياسية ليس نهاية الطريق بل هي مرحلة كاشفة تدفع المجتمعات نحو مراجعة ذاتها ونقدها .. فإذا امتلكت هذه المجتمعات الشجاعة الفكرية والعملية في طرح تساؤلاتها واختيار عدولها فإنها تكون قد خطت الخطوة الأولى نحو بناء نموذج حضاري جديد.

أما إذا اكتفت بتغيير الأدوات دون مراجعة جذرية فإنها ستظل تدور في الحلقة ذاتها.

فإذا كان فشل النظم السياسية يكسف عن خلل أعمق في البنية الحضارية فإن قراءة الواقع العربي وجزيرة العرب تحديدا تقتضي البحث عن مؤشرات تتجاوز الظاهر السياسي إلى ما هو أعمق منه أي إلى طبيعة التحول الذي يتشكل في الوعي والبنية الاجتماعية والمعرفية.

أول هذه المؤشرات يتمثل في اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع حيث لم تعد الشرعية السياسية قائمة فقط على الإنجاز أو الخطاب وإنما أصبحت موضع مساءلة ضمنية حتى في البيئات التي تبدو مستقرة ظاهريا.

هذه الفجوة لا تعبر فقط عن أزمة ثقة وإنما عن تغير في تصور الإنسان لدوره ومكانته داخل الكيان السياسي وهو تحول ذو دلالة حضارية لا سياسية .

والمؤشر الثاني هو في صعود سؤال الهوية بصورة أكثر حدة وعمق إذ لم يعد السؤال محصورا في الانتماء القومي أو الوطني وإنما أصبح يمتد إلى تعريف الذات في عالم متغير وهل نحن جزء من نموذج كوني واحد أم أننا نحمل خصوصية حضارية قابلة للتجدد؟ هذا التوتر بين الكوني والخصوصي يمثل أحد أهم محركات التحول في المنطقة.

أما المؤشر الثالث فيكمن في التحول الاقتصادي الذي تشهده جزيرة العرب بشكل خاص حيث لم يعد الاقتصاد الريعي قادرا على ضمان الاستقرار طويل المدى لذلك نشهد محاولات لإعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية ومعرفية.. غير أن هذا التحول لا يزال في طوره الأداتي في كثير من الأحيان إذ لم يتحول بعد إلى رؤية حضارية متكاملة تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والعمل والقيم والعالم.

ويعبر المؤشر الرابع عن الانفجار المعرفي والرقمي الذي أتاح للأفراد مساحات غير مسبوقة من الاطلاع والتعبير و هذا الانفتاح خلق وعيا جديدا يتجاوز الحدود التقليدية للدولة ويضع الفرد في تماس مباشر مع نماذج متعددة من الحياة والمعرفة وهو ما يؤدي إلى إعادة تشكيل منظومة القيم بشكل تدريجي إما في الهدم أو البناء وهو ما أعنيه هنا الصراع بين قيم الذات والقيم العابرة عبر الأثير.

ومن المؤشرات كذلك بروز توتر صامت بين التقليد والتحديث حيث تحاول المجتمعات التوفيق بين موروثها الثقافي ومتطلبات العصر غير أن هذا التوفيق غالبا ما يتم بصورة انتقائية أو سطحية مما يؤدي إلى ازدواجية في السلوك والمعايير وهو ما يؤكد على غياب نموذج حضاري واضح قادر على دمج الأصالة والمعاصرة ضمن رؤية واحدة.

وفي جزيرة العرب تحديدا يظهر مؤشر إضافي يتمثل في تسارع التحولات الاجتماعية مقارنة بإيقاع التحول الثقافي العميق فالتغير في أنماط الحياة والاستهلاك أسرع من التغير في البنية الفكرية وهذا يخلق نوع من الفراغ القيمي الذي قد يتحول إلى أزمة إذا لم يتم ملؤه برؤية متماسكة.

كما يمكن ملاحظة تراجع الخطابات الأيديولوجية الكبرى التي كانت تهيمن على المجال العام في العقود السابقة مقابل صعود نزعات براغماتية تركز على النتائج أكثر من المبادئ وهذا التحول قد يكون إيجابيا من ناحية تجاوز الجمود لكنه يحمل في الوقت نفسه خطر فقدان المرجعية القيمية إذا لم يقترن بإطار حضاري واضح.

ومن زاوية أخرى فإن هذه المؤشرات مجتمعة تشير إلى أن المنطقة تقف على أعتاب تحول لم يكتمل بعد إذ انها لم تعد أسيرة النماذج القديمة و لكنها ايضا لم تنتج بعد نموذجها الخاص وهذا الوضع الانتقالي يحمل في داخله إمكانات كبيرة كما يحمل مخاطر عميقة.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إدارة هذه التحولات على المستوى السياسي فقط وإنما في القدرة على تحويلها إلى مشروع حضاري واع يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والدولة وبين القيم والمصلحة وبين الماضي والمستقبل فإذا تحقق ذلك يمكن أن تتحول الأزمات الراهنة إلى نقطة انطلاق أما إذا غابت هذه الرؤية فإن التحول قد يبقى سطحيا مهما بدا عميقا في ظاهره.