د. عبدالقادر المحوري
يتسم المشهد لسياسي اليمني، وتحديداً في الجنوب، بحالة من السيولة الفائقة التي تتجاوز مجرد الخلاف السياسي لتصل إلى مرحلة إعادة التدوير المستمرة للمكونات، حيث إن ما نراه اليوم من تفكك لكيانات ودمج لأخرى وإعادة إحياء لمسميات من أرشيف الصراعات القديمة يضعنا أمام سؤال جوهري هل نحن أمام حراك سياسي صحي أم أنها سكرات نخب فقدت القدرة على الابتكار والتحكم في مصيرها؟ إن المتأمل فيما يجري في الجنوب يلحظ بوضوح أن المشكلة ليست في عدالة القضية بل في أدوات إدارتها إذ ما زال الجنوب محكوماً بعقلية الشرعيات المتصادمة المورثة من صراعات ما قبل الوحدة، ولم تستطع النخب الحالية تقديم قيادة ملهمة تتجاوز المناطقية بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ما يشبه المقاول السياسي الذي يدير حصصاً جهوية، كما أن ثمة اتكالاً مفرطاً على الخارج ليس كحليف بل كموجه، وهو ما أفقد النخب القدرة على إنتاج رؤية وطنية نابعة من الداخل وجعل من المكونات السياسية مجرد أوراق ضغط في أجندات إقليمية تتغير بتغير المصالح، الأمر الذي يفسر حالة التفكك وإعادة التكوين مع كل تغير في الإشارات الخارجية، إضافة إلى أن نخب الجنوب تعيش في فخ التكتيك اليومي متسائلة كيف تسيطر على الأرض أو تنتزع اعترافاً بينما تتجاهل الرؤية الاستراتيجية لبناء دولة المؤسسات، ما خلق فراغاً فكرياً يتم ملؤه بشعارات عاطفية لا تصمد أمام استحقاقات الواقع، وبالمقابل نجد أن نخب الشمال، رغم انقسامها، تعمل وفق ديناميكية مختلفة حيث إنها استطاعت الحفاظ على مفهوم المركز والدولة وإن كان مشوهاً، فالنخب هناك تمتلك نفساً طويلاً في المناورة وتعرف كيف توظف التناقضات الدولية لصالح بقائها، بينما تستهلك نخب الجنوب طاقتها في معارك داخلية بين مكونات تولد لتموت.
وإذا استمرت حالة التفكك وإعادة التدوير الحالية فإننا أمام سيناريوهين لا ثالث لهما إما تحول الجنوب إلى كانتونات متصارعة تدار بالوكالة مما يفقد القضية زخمها الأخلاقي والسياسي ويحيلها إلى عبء دولي، أو انفجار شعبي يطيح بجميع النخب الحالية ويفتح الباب أمام طريق ثالث يقوده جيل جديد من الشباب التكنوقراط والوطنيين الذين لم تتلوث أيديهم بصراعات الماضي ولم ترتهن إرادتهم بسؤ ولإيقاف هذا التدهور لا بد من خطوات شجاعة تتجاوز المكياج السياسي تبدأ بالاستقلال الوطني للقرار بحيث تدرك المكونات أن التحالفات وسيلة لا غاية وأن غياب مركز قرار جنوبي مستقل سيبقي القضية رهينة بيد الآخرين، مروراً بالحاجة إلى مؤتمر وطني حقيقي ينتقل من منطق الدمج القسري والإقصاء إلى منطق الميثاق الوطني الذي يحدد شكل الدولة ويؤسس لتداول سلمي للسلطة ويضمن عدم تكرار مآسي الماضي، وصولاً إلى تقديم الكفاءة على الولاء عبر إنهاء سطوة المقاتل لصالح السياسي والإداري لأن بناء المؤسسات في المناطق المحررة هو الرد الوحيد المقنع للعالم وللمواطن، وفي الخلاصة فإن الجنوب اليوم لا يحتاج إلى مكونات جديدة بقدر ما يحتاج إلى عقلية جديدة، فالخلل ليس في الأرض ولا في الشعب بل في نخب استمرأت العيش في جلباب الماضي والارتهان النرجسي وإن لم تستعد هذه النخب بوصلتها الوطنية فوراً فإن التاريخ لن يرحم والواقع لن ينتظر طويلاً خلف أبواب الغرف المغلقة.