✍🏼 بقلم: حسن غالب
في الحالة اليمنية المعقدة تبدو الدولة هي اللغز الذي يطارد اليمنيون حله منذ أزمنة بعيدة، وتفكيك هذا اللغز يتطلب بناء دولة القوانين النافذة، وبناء ثقافة تحترم الشفافية، وتتقبل الحوكمة بمعناها المشهور الذي يتمثل في وضع الشخصيات المناسبة في المهام المناسبة، وقبل كل هذا وجود إرادة جمعية لدى النخب والعاملين في الشأن العام بضرورة الشروع فوراً في تقنيات ردم الهوة بين ما وصلت له الدول الحديثة في إدارة مؤسساتها وبين ما نحن فيه من أزمات.
يلحظ المتتبع لمسيرة دولة الدكتور شائع الزنداني في أروقة الدولة بُعداً ثابتاً يتحرك من خلاله في كافة المناصب التي تقلّدها، هذا البُعد يتمثل في مفهوم الدولة، حيث لا ينتظر الحلول المعلبة والجاهزة، بل يبدأ بالبناء من مكانه ومنصبه، واعياً بأن الدولة إنما هي وحداتٌ إدارية يمكن التحسين فيها بأي منصب كان، كما يمكن بناء النموذج المنشود من خلال أي مؤسسة حكومية، وإشاعة سلوك التنافس الإيجابي بين المؤسسات المعنية بخدمة المواطنين.
تقلّد دولة الدكتور شائع الزنداني مناصب عديدة لها ارتباط مباشر بمصالح المواطنين، وبصفتي إعلامي تكمن مهمتي الرئيسية في دراسة ومراقبة الرأي العام، كان واضحاً ارتياح اليمنيين وشعورهم ببصيص التغيير في سفارتنا في الرياض حينما كان الزنداني سفيراً، وفي سفاراتنا في العالم حينما تولى وزارة الخارجية، واليوم يتقلد الدكتور الزنداني منصب رئيس الوزراء في ظروف بالغة الصعوبة فكيف يُفكر الأكاديمي الكبير والسياسي المخضرم؟!
يتحرك الزنداني من خلال موقعه في رئاسة مجلس الوزراء في اتجاهات متعددة، وضمن واقع بالغ الخطورة والتعقيد، وقد لفت انتباهي مؤخراً ورشة نظمها فريق دولة رئيس الوزراء معنية بتبني نهج مؤسسي لمكافحة الفساد، فقلت هذا رجل الدولة الذي يعرفه اليمنيون وهذا سلوكه الذي عُرف به من خلال عمله في الشأن العام.
ينطلق الزنداني في أعماله من الجذور، من النقطة التي انطلقت منها المؤسسة، ومن الثقافة التي بدأت بها، باعتبارها جهة وجدت لخدمة المواطنين، وباعتبار الوظيفة العامة مهمة جسيمة تعتبر تكليفاً يستلزم الكثير من الانضباط والشفافية ونظافة اليد والسيرة.
فالتحدي الأكبر أمام أي مشروع وطني اليوم لا يكمن في تشخيص الأزمات، فذلك أمر بات معروفاً ومكرراً، وإنما في القدرة على تحويل المعرفة بالمشكلة إلى برامج عملية قابلة للتنفيذ، وإلى إجراءات يومية يشعر المواطن بأثرها في حياته ومعيشته وكرامته.
وهنا تتجلى قيمة القيادات التي تجمع بين الرؤية والخبرة، وهي صفات يلحظها المتابعون في الدكتور الزنداني، الذي قدّم في محطاته المختلفة نموذج المسؤول القادر على العمل بصمت، وعلى إدارة الملفات المعقدة بعقل الدولة لا بردود الأفعال.
ولهذا فإن اليمنيين وهم يراقبون أداء الحكومة في هذه اللحظة الفارقة لا يبحثون عن المعجزات، بقدر ما يبحثون عن اتجاه صحيح، وعن مؤشرات جادة تقول إن عجلة الدولة تدور بكفاءة.
وواضح أن حضور دولة الدكتور شائع الزنداني في هذا الظرف الاستثنائي يمنح الكثيرين شعوراً بأن الإدارة الرصينة ما تزال ممكنة، وأن الكفاءة حين تقترن بالنزاهة والخبرة تستطيع أن تفتح نوافذ أمل في جدار الأزمات.
وليس جديداً القول إن ترسيخ النموذج المؤسسي، واستعادة هيبة القانون، وإعلاء قيمة الكفاءة، سيكون المدخل الحقيقي لعبور اليمن من زمن الاضطراب إلى أفق الاستقرار، ومن منطق إدارة الأزمة إلى منطق صناعة الدولة ومؤسساتها.