في إحاطته الأخيرة امام مجلس الأمن الدولي، التي قدمها يوم امس، عرض المبعوث الأممي الى اليمن هانس غروندبرغ صورة مركبة للمشهد اليمني، يغلب عليها الطابع الرمادي في التوصيف والمقاربة، حيث تتداخل مؤشرات التهدئة مع مخاطر الانزلاق نحو التصعيد، في طرح يفتقر الى التفصيل ويغيب عنه تقديم مقترحات او حلول عملية لتحريك الواقع المتدهور، ضمن سياق يرسخ مرحلة “اللا حرب واللا سلام” بوصفها العنوان الأبرز للواقع اليمني الراهن.
ورغم الإشارة الى تراجع نسبي في وتيرة العمليات العسكرية مقارنة بسنوات الحرب المفتوحة، وهو تطور ايجابي لا يمكن انكاره، فإن الإحاطة اكدت في المقابل أن هذا الهدوء يظل هشاً وقابلاً للتآكل، في ظل غياب اتفاق سياسي شامل يعالج جذور الصراع لا مظاهره. وهنا يتجلى الطابع الرمادي في الخطاب الأممي، الذي يوازن بين الإقرار بالتحسن الميداني والتحذير من انهياره، دون تقديم أدوات حاسمة لضمان استمراره.
كما اعادت الإحاطة التأكيد على أن جوهر التحدي لم يعد في وقف اطلاق النار، بل في تحويل التهدئة الى مسار سياسي مستدام، عبر عملية شاملة لا تستثني اي طرف، وبعيداً عن الحلول الجزئية او المفروضة من الخارج، في إطار خطاب حذر يسعى للحفاظ على توازن دقيق بين الأطراف.
وتضمّنت إشارات غير مباشرة الى تأثير التوترات الإقليمية والدولية المحيطة باليمن، بما يزيد من تعقيد مهمة الوساطة، ويصعب فصل المسار اليمني عن حسابات اوسع تتجاوز حدوده. ورغم ذلك، ابقى المبعوث نافذة الأمل مفتوحة، مرهونة بتوفر إرادة سياسية حقيقية ودعم دولي منسق يفضي الى تسوية شاملة.
غير أن هذا الخطاب الرمادي، رغم تماسكه، لا يخلو من اشكاليات جوهرية. فالإحاطة لم تقدم تحولاً نوعياً في توصيف الأزمة، بل بدت اقرب الى إدارة الحالة القائمة بدل الدفع نحو تفكيكها. كما تكشف عن فجوة واضحة بين الواقع الميداني والخطاب الأممي، إذ يغلب عليه الحياد الشكلي، عبر مقاربة تميل الى المساواة بين طرف شرعي يسعى لاستعادة الدولة، وآخر انقلابي يعرقل مسار التسوية ويكرس واقع القوة، من خلال ايديولوجيا الحق الإلهي، وإعادة إنتاج التمايز الطبقي، وتجنيد الأطفال، وتعطيل مسارات الافراج عن المختطفين.
لقد بات من الضروري، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي، أن تتحرك الحكومة اليمنية بخطاب دبلوماسي وإعلامي اكثر فاعلية، يعيد صياغة سردية الأزمة ويبرز حقائقها على الأرض، ويستثمر التحولات الإقليمية والدولية لتعزيز حضورها في الخطاب الدولي، بما يمنع تحول اليمن الى أداة تفاوض ضمن حسابات إيران الإقليمية، ويمهد للانتقال من إدارة الأزمة الى خطاب اكثر وضوحاً، يؤسس لتسوية عادلة ومستدامة تُبنى على معالجة جذرية للصراع لا على إدارته.