آخر تحديث :الأربعاء-15 أبريل 2026-08:06م

كيف يُصنع التأثير دون ضجيج.. قراءة في حضور حسن أحمديان

الأربعاء - 15 أبريل 2026 - الساعة 05:57 م
محمد خالد الحسيني

بقلم: محمد خالد الحسيني
- ارشيف الكاتب


حين يتحوّل الفكر إلى موقف، لا يعود الصوت بحاجةٍ إلى ارتفاعٍ كي يُسمَع، بل يكفيه أن يكون واضحًا، ثابتًا، ومشحونًا بما يكفي من المعنى ليُحدث أثره.

هكذا يمكن الاقتراب من حالة حسن أحمديان السياسي الإيراني الذي برز ظهوره مؤخراً على قناة الجزيرة في برنامج نقاش الساعة .. حضورٌ لا يُصنع بالإجماع، بل يتغذّى من الاختلاف .

ليس لأنه أقنع الجميع، بل لأنه نجح في أن يجعلهم مختلفين حوله، وهذه، في ذاتها، علامة أولى على ولادة ظاهرة .

ليس الرجل صاخبًا، ولا يسعى إلى ذلك، قوته تكمن في انضباطه؛ في طريقته التي يمسك بها السؤال، يعيد تشكيله، ثم ينسج منه إجابة تبدو كخيطٍ مستقيم، ممتدٍ من بدايته حتى نهايته .

في مشهدٍ اعتاد على التوتر والتشظي، يبدو هذا التماسك لافتًا، بل ومربكًا أحيانًا، لكن الأسلوب وحده لا يكفي لتفسير حضوره . خلف هذا الأداء تقف قاعدة معرفية صلبة.. اشتغال أكاديمي، إنتاج بحثي، وانخراط واضح في دوائر التفكير والتحليل .

لذلك يشعر كثيرون أنهم أمام صوت يعرف ما يقول، لا مجرد متحدثٍ يجيد قوله .

ومع ذلك، فإن القوة نفسها التي تمنحه هذا الحضور تفتح الباب للنقد، فهناك من يرى أن تماسك الطرح قد يمنح بعض نتائجه وزنًا أكبر مما تستحق، وأن إحكام البناء قد يسبق صلابة الخلاصة .

وهذا اعتراض مشروع؛ لأن البلاغة، حين تشتد، قد تُغري بالاقتناع قبل التمحيص، لكن الفارق الحقيقي لا يكمن في امتلاك الأدوات، بل في كيفية استخدامها.

جزء من الجدل حوله لا يتعلق بمنطقه فقط، بل بموقعه أيضًا، فهو يتحدث من داخل سياق فكري وسياسي محدد، ما يجعل البعض يستقبله بحذرٍ مسبق.

هنا تختلط الحدود بين نقد الفكرة والحكم على صاحبها، ويتحوّل الاختلاف من نقاشٍ في المضمون إلى موقفٍ من الشخص.

حتى لغته لم تسلم من هذا الجدل، كونه غير عربيّ اللسان يجعل بعض ملامح التعبير مختلفة، لكن وضوح الفكرة يبقى قائمًا.

وفي أحيان كثيرة، يبدو التركيز على نقاء اللغة محاولةً لتقليل الأثر، أكثر من كونه تقييمًا حقيقيًا له.

في العمق، لا تكشف هذه الحالة عنه وحده، بل عن فراغٍ أوسع في المشهد: حيث نادرًا ما يجتمع لدى المتحدث عنصران أساسيان، معرفة متماسكة، وقدرة على تقديمها بوضوح.

لذلك، يبدو من يمتلكهما استثناءً، بينما يفترض أن يكون القاعدة.

حسن أحمديان، إذًا، ليس صوتًا فوق النقد، ولا مجرد حضورٍ بلاغي عابر، هو نموذج لمتحدث يمتلك أدواته، ويعرف كيف يوظفها، داخل سياقٍ يجب أن يُقرأ كما يُنقد.

وفي النهاية، لا يُقاس التأثير بمدى الاتفاق، بل بقدرة الفكرة على الصمود وسط الضجيج.

قد يقف المرء وحيدًا، لكن إن كانت فكرته متماسكة، فإنها وحدها تكفي لتشكّل جبهة،

وصوته، إن خرج بصدق، قادرٌ على أن يُقلق صخبًا كاملًا.