مؤلمٌ ما يحدث من مؤامراتٍ على رجالنا الأوفياء الأبطال، الذين كانوا نموذجًا في الشجاعة والفداء والاستبسال والتضحية للوطن والمواطن.* هذه الجملة التي باتت تتردد على كل لسان في الجنوب واليمن، ليست مجرد رثاء أو شكوى، بل هي تشخيص سياسي وأمني دقيق لحرب مركبة تُشن على الوعي قبل الجغرافيا، وعلى الإنسان قبل المكان.
نحن اليوم أمام مشروع تفكيك متكامل الأركان، تديره دول كبرى وتنفذه أدوات محلية قبلت أن تبيع ذممها وتقبل بالمهانة مقابل بقائها في المشهد. مشروع هدفه النهائي ليس إسقاط نظام أو احتلال مدينة، بل إسقاط فكرة الوطن نفسها، وإجبارنا على توجيه أسلحتنا إلى نحورنا، وكسر أقلامنا بأيدينا، وقتل طموحنا وأهدافنا السامية.
*المحور الأول: خريطة المؤامرة.. خمس مراحل لهدم الأوطان من الداخل*
القراءة المتأنية لمجريات الأحداث منذ عام 2015م تكشف أننا أمام مخطط يسير وفق هندسة شيطانية مدروسة، لا تترك شيئًا للصدفة:
*1. مرحلة تصفية الرموز: اغتيال القدوة*
تبدأ كل مؤامرة باستهداف الرؤوس التي لا تُشترى. يتم تهميش القيادات الميدانية المخلصة التي صنعت الانتصارات بدمها، وتجفيف منابع الدعم عنها، وتسليط الحملات الإعلامية لشيطنتها واتهامها بالفساد أو المناطقية أو العمالة للخصم. وعندما تفشل كل الوسائل، يتم الانتقال إلى التصفية الجسدية تحت غطاء "العمليات الإرهابية" أو "الخلافات الداخلية". استشهاد القائد *فرج الأغبري* ورفاقه من خيرة رجال الصبيحة والجنوب لم يكن حدثًا معزولًا، بل هو تطبيق حرفي لبروتوكول "إفراغ الساحة". الرسالة المراد إيصالها: لا مكان للمخلصين، إما أن تكون تابعًا أو تكون ميتًا.
*2. مرحلة الفوضى الخلاقة: الشائعة كسلاح نووي اجتماعي*
بعد إضعاف الرموز، تُطلق آلة الشائعات. آلاف الحسابات الوهمية على منصات التواصل، غرف عمليات إعلامية ممولة، مواقع صفراء تنشر السم على مدار الساعة. هدفها واحد: تمزيق النسيج الاجتماعي، وخلق فجواتٍ عميقة بين أبناء الوطن الواحد والمنطقة والقبيلة. يتم نبش كل جراح الماضي، وإحياء كل نعرات الجاهلية، وتغذية كل صراع مناطقي وقبلي. الغاية هي إشغالنا ببعضنا، حتى يتحول الجنوبي إلى عدو لأخيه الجنوبي، والصبيحي إلى خصم لابن عمه، وننسى جميعًا أن هناك عدوًا استراتيجيًا يدير المشهد من وراء ستار.
*3. مرحلة التجويع والإذلال: كسر الإرادة بالخبز*
بالتوازي مع الحرب النفسية، تُشن حرب اقتصادية قذرة. يتم تعمّد انهيار مؤسسات الدولة، ونهب الإيرادات العامة، وترك سعر صرف العملة للانهيار، واحتكار المواد الغذائية، وقطع رواتب الموظفين. يُراد للمواطن الحر أن يجوع، وأن يرى أطفاله يتضورون، وأن يقف عاجزًا أمام مرض أهله. في هذه اللحظة تُكسر الأقلام الحرة، ويُغتال الطموح، وتُدفن الأهداف السامية تحت ركام الحاجة والعوز. يصبح الشعار: "خذوا الكرامة وأعطونا الحياة".
*4. مرحلة الاحتراب الداخلي: البندقية في صدر الأخ*
هذه هي الذروة التي يعمل المخطط لأجلها. بعد أن يتم تفكيكنا نفسيًا واجتماعيًا ومعيشيًا، يتم دفعنا للاقتتال. يُموَّل هذا الفصيل ضد ذاك، وتُسلح هذه القبيلة ضد تلك، وتُفبرك أحداث أمنية لتأجيج الثأر. يُراد لنا أن نوجه أسلحتنا إلى نحورنا، وأن نُبيد بعضنا بعضًا في حروب عبثية بالوكالة. عندها يوفر العدو الحقيقي ذخيرته وجنوده، ويجلس على التل يتفرج على مسرحية الدم التي أخرجها ومولها بأموالنا المنهوبة.
*5. مرحلة الوصاية الدولية: اللص في ثوب المنقذ*
بعد أن نحترق جميعًا ونتحول إلى رماد، يأتي "المجتمع الدولي" وهيئاته بدور المنقذ والوسيط النزيه. يفرض وصايته على ما تبقى من الوطن، ويعيد رسم الخرائط، ويقتسم الثروات والموانئ والجزر على جثث أبنائه. نكون نحن قد متنا، وهو قد كسب الحرب دون أن يخسر جنديًا واحدًا.
*المحور الثاني: مفارقة العجز.. عن أي دولة ومستقبل يتحدثون؟*
وهنا يجب أن نتوقف ونسأل بملء الغضب والمرارة: *عن أي تأثير ومستقبل يتحدث أولئك وهم يشقّون الصف ويهمّشون بعضهم بعضًا؟*
بأي معيار تُقاس شرعية أي مكون أو سلطة وهي عاجزة عن أبسط واجبات الدولة؟ سلطة لا تستطيع دفع راتب موظف أفنى عمره في خدمتها. سلطة لا تملك قرارًا على إيراداتها ولا على منافذها. سلطة لا تستطيع ضبط سعر صرف عملتها ولا توفير كيس دقيق لمواطنها. كيف لمن فشل في إدارة "بيت" أن يدعي أنه قادر على بناء "وطن"؟
إن من يقبل بالمهانة وبيع ذمته لأعدائه لا يبني مستقبلًا لأحد، بل يبيع مستقبل أجيال كاملة. وهذه ليست خيانة للوطن فحسب، بل خيانة للأمانة وللتاريخ وللأبناء الذين لم يولدوا بعد.
ولسنا هنا نتهم دولة أو جهة بحد ذاتها، فاللعبة أكبر من الجميع. إنها سياسة دول كبرى أدركت أن الاحتلال العسكري المباشر مكلف وملوث للسمعة. فكان البديل الأذكى والأرخص: اصنع لك وكلاء محليين، امنحهم شرعية دولية وسلاحًا ومالًا، واتركهم يدمرون بلدانهم بأنفسهم نيابة عنك، ثم تعال أنت لتحصد النتائج.
*المحور الثالث: لماذا الجنوب والصبيحة؟ لأنهم كسروا المشروع مرة*
الاستهداف ليس عشوائيًا ولا عفويًا. الجنوب، وأبناء الصبيحة تحديدًا، شكلوا عبر التاريخ صخرة صلبة تحطمت عليها كل مشاريع الهيمنة والتمدد. هم من دفعوا الفاتورة الأكبر من دماء خيرة الرجال في كل المنعطفات. لذلك، فإن تركيع هذه الجغرافيا وتفكيك نسيجها الاجتماعي هو شرط أساسي لتمرير أي مشروع تقسيمي أو تابع في اليمن والمنطقة كلها.
إن تصفية المخلصين هنا ليست انتقامًا من أشخاص، بل هي محاولة لاغتيال "الثقافة". ثقافة التضحية للوطن بلا ثمن، والاستبسال بلا مقابل، وتقديم المصلحة العامة على الخاصة. يريدون استبدال هذه الثقافة بثقافة "المرتزق" الذي ولاؤه لمن يدفع، وثقافة "التابع" الذي ينتظر التوجيهات من الخارج.
*المحور الرابع: المعركة الفاصلة.. معركة الوعي قبل الرصاصة*
يا أبناء الجنوب والصبيحة واليمن: إن الصدمات كبيرة، والجرح غائر، والخيانة مُرة كالعلقم. لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تمتلك قضية عادلة وذاكرة لا تموت "تختلُّ ولا تنكسر". قد نترنح من شدة الضربات، قد ننزف حتى آخر قطرة، قد نبكي شهداءنا حتى تجف المآقي.. لكن ظهورنا لا تنحني.
المعركة اليوم لم تعد معركة بندقية فقط، بل هي معركة وعي بالدرجة الأولى:
- *وعي* بأن كل من يروج للفتنة بينك وبين أخيك الجنوبي أو اليمني هو خنجر مسموم في خاصرة الوطن، حتى لو كان يتحدث بلهجتك ويرفع رايتك ويبكي على شهدائك.
- *وعي* بأن كل من يشق الصف تحت أي شعار، ثوري أو مناطقي أو حزبي، هو مجند مجاني في جيش عدوك، سواء كان يعلم ذلك أم كان مجرد أداة غبية يُحرَّك عن بُعد.
- *وعي* بأن من يبرر لك الظلم والتهميش والجوع والفساد هو شريك أصيل في المؤامرة، وشاهد زور في محكمة التاريخ.
العدو واحد وإن تعددت أقنعته، وتبدلت أسماء مكوناته، وتغيرت لهجات متحدثيه. وكل من يساهم في تمزيق الصف هو جزء من المشروع المعادي، شاء أم أبى، علم أم جهل.
*ختامًا: وصية الدم*
لقد سقط الشهداء لتبقى الرؤوس مرفوعة، والجباه عالية، والوطن عزيزًا. فهل نخون دماءهم ونبيع ما استشهدوا لأجله بثمن بخس؟ هل نمنح القتلة شهادة انتصار مجانية على أرواح أبطالنا؟
إن السكوت اليوم ليس حكمة، بل خيانة موصوفة. والحياد ليس موقفًا، بل تواطؤ مفضوح. والانجرار وراء الفتنة ليس شجاعة، بل انتحار جماعي.
فإما أن نكون مع مشروع الوطن الجامع الذي يتسع لكل أبنائه على قاعدة الشراكة والمواطنة، أو نصبح دون أن ندري حطبًا ووقودًا لمشروع التمزيق الذي لا يبقي ولا يذر.
*قلوبنا لا تنكسر، وظهورنا لا تنحني، ودماء شهدائنا أمانة في أعناقنا إلى يوم الدين.. وإن غدًا لناظره قريب، ولا نامت أعين الجبناء والخونة والعملاء.*
---
*إعداد: وتحليل الاعلامي ابراهيم العطري*
*الاثنين 15 أبريل 2026م – لحج*