آخر تحديث :الأربعاء-15 أبريل 2026-12:56م

قصة كهرباء عدن: بين المؤسسة الخدمية وأدوات الصراع السياسي

الإثنين - 13 أبريل 2026 - الساعة 09:42 م
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


​لم تعد أزمة الكهرباء في مدينة عدن مجرد خلل فني أو عجز مالي طارئ، بل غدت مع مرور الوقت عنواناً صارخاً لأزمة أعمق تتصل بطبيعة الصراع السياسي، وطريقة إدارة الشأن العام، وحدود العلاقة بين السلطة والمجتمع. فحين يصبح التيار الكهربائي متقطعاً بانتظام أقسى من انتظام حضوره، يدرك المواطن أن المسألة تجاوزت دائرة الخدمات لتدخل فضاء المكايدة والضغط السياسي غير المعلن؛ حيث يُستخدم "النور" كأداة نفوذ، ويُوظف "الظلام" كسلاح صامت.

​الكهرباء كرمز للسيطرة والولاء

​في المدن المستقرة، تُعد الكهرباء حقاً بديهياً لا يُلتفت إليه إلا عند غيابه. أما في عدن، فقد تحولت إلى هاجس يومي تُقاس به ساعات الحياة. هذا الربط الوثيق بين الخدمة والسياسة تجلى بوضوح في أعقاب أحداث عام 2019؛ فبعد خروج الحكومة من المدينة، شهدت عدن تحسناً ملحوظاً في ساعات التشغيل. لم يكن ذلك التحسن مجرد طفرة تقنية، بل كان استراتيجية محسوبة لإرسال رسالة سياسية مفادها أن القوى الجديدة على الأرض قادرة على الإدارة والتحسين، في مقابل صورة "العجز" التي وُصمت بها الأطراف السابقة.

​بهذا المعنى، لم تكن استعادة التيار مجرد إنارة للشوارع، بل كانت محاولة لإنارة طريق الشرعية السياسية وكسب الولاءات الشعبية. فالكهرباء هنا أداة نفسية؛ حين تستقر الأجهزة في المنازل، ينمو شعور بالاعتماد على القوة المسيطرة، ويصبح من الصعب على المواطن البسيط الفصل بين تحسن خدمته اليومية ونجاح المشروع السياسي الذي يديرها.

​"عادت حليمة": خيبة الأمل الصيفية لعام 2026

​مع نهاية ديسمبر الماضي وبدايات عام 2026، عاشت عدن والمحافظات المجاورة حالة من الارتياح النسبي، رافقتها خطابات تبشيرية رنانة وعدت بنهضة في منظومة الطاقة. استبشر الناس خيراً وظنوا أن "كابوس الصيف" قد ولى بغير رجعة، إلا أن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن. ومع أولى لفحات الصيف الساخن، تبخرت تلك الوعود، وعادت الانقطاعات الطويلة التي وصلت إلى ثماني ساعات مقابل ساعتين فقط من التشغيل.

​وكما يقول المثل الشعبي: "عادت حليمة لعادتها القديمة". هذا الارتداد لم يكن مجرد تراجع في الخدمة، بل كان صدمة معنوية أعادت صياغة مشاعر الإحباط لدى المواطن الذي وجد نفسه مجدداً في "دائرة الظلام"، مما كشف عن هشاشة الحلول الترقيعية ومحدودية القدرة على إدارة الموارد بشكل مستدام بعيداً عن الاستهلاك الإعلامي اللحظي.

​الآثار الاجتماعية وتجليات المعاناة

​تتجاوز آثار هذه الأزمة حدود الانزعاج المؤقت؛ فالانقطاع الطويل ينهك الأسر نفسياً، ويضاعف معاناة المرضى وكبار السن في مدينة لا ترحم رطوبتها أحداً. كما أن هذا التذبذب يخنق المشاريع الصغيرة التي تشكل عصب الاقتصاد المحلي، ويحول الحياة اليومية إلى معركة للبقاء بدلاً من كونه فرصة للإنتاج. وفي ظل هذا الفراغ، ينمو "اقتصاد الظلام" حيث تصبح المعاناة العامة مورد ربح خاص لجهات لا تجد في استقرار الخدمة مصلحة لها.

​تطبيع الألم وتآكل الثقة

​إن الأخطر من غياب الكهرباء هو "تطبيع الألم"؛ فحين يعتاد الناس العيش في الظلام، يتحول الفشل إلى أمر عادي والاستثناء إلى قاعدة. هنا لا تُهزم المدينة بالقوة العسكرية، بل بالإرهاق الطويل وبخفض سقف التوقعات إلى حد القبول بالحد الأدنى، مهما كان هزيلاً.

​على المستوى السياسي، تقف السلطة اليوم أمام اختبار حقيقي لمشروعيتها؛ فالدولة تفقد جوهر وجودها حين تعجز عن توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، أو حين يُعتقد أنها تتعمد استخدام الخدمات كسلاح ضغط في صراعاتها البينية. عندها، لا يعود المواطن يرى في السلطة مظلة رعاية، بل جهة بعيدة أو متواطئة مع معاناته.

​الخلاصة

​ليست أزمة الكهرباء في عدن مسألة طاقة فحسب، بل هي قضية أخلاق سياسية. إنها المعيار الأوضح لمدى إدراك القوى المتصارعة لمسؤولياتها تجاه الإنسان قبل الأرض. فالدول لا تُقاس بما ترفعه من شعارات براقة، بل بما توفره من حياة كريمة لمواطنيها. وحين يُحجب النور، لا تُطفأ المصابيح وحدها، بل تُطفأ معها ثقة المجتمع، وينطفئ شيء من روح المدينة.