آخر تحديث :الثلاثاء-14 أبريل 2026-12:13ص

هل يتوجب على الشعب أن يكون فقيراً؟

الإثنين - 13 أبريل 2026 - الساعة 04:53 م
د. سعيد سالم الحرباجي

بقلم: د. سعيد سالم الحرباجي
- ارشيف الكاتب


السؤال هنا ليس بريئًا، ولا هو من قبيل التأمل الفلسفي الذي يُطرح في المقاهي بين فنجاني قهوة....

بل هو سؤالٌ يُفرض على الواقع فرضًا، حتى ليبدو الفقر وكأنه شرطٌ من شروط المواطنة، أو بندٌ خفيّ في دساتير غير مكتوبة عنوانها: (لعيش بكرامة... مؤجّل إلى إشعارٍ آخر )!!!


في عالمٍ تُقاس فيه كفاءة الحكومات بقدرتها على تحسين مستوى معيشة شعوبها....

برع بعض حكّام العرب والمسلمين—باجتهادٍ يُحسدون عليه—في ابتكار نموذجٍ مقلوب:

عنوانه كلما ازداد الشعب فقرًا، ازدادوا هم ثراءً

وكأن العلاقة بين الطرفين قائمة على قانونٍ فيزيائي جديد: (حفظ البؤس) حيث لا يُفنى الفقر، بل ينتقل من القصور إلى الأكواخ، ليُعاد تدويره في بطون الجائعين.


ولأن الفقر وحده لا يكفي لإخضاع الشعوب، كان لا بد من إغراقها في دوامةٍ من الصراعات العبثية .....

صراعاتٌ تُدار بعناية، وتُغذّى بخطاباتٍ حماسية، تُشغل الناس عن خبزهم، وتُنسيهم أن السؤال الحقيقي ليس: "من هو العدو؟" بل: "لماذا نحن جائعون أصلًا؟"


في هذا المشهد....

لا يصبح الجوع حالة طارئة، بل سياسة ممنهجة، تُدار بذكاء:

تُرفع الأسعار حينًا باسم "الإصلاح"، وتُخفض الأجور حينًا باسم "الظروف"، وتُختزل التنمية في مشاريعٍ استعراضية لا تُطعم جائعًا ولا تُسكن مشردًا.


أما النخب الحاكمة، فقد أصابتها "تخمة السلطة"، حتى غدت بطونها مرآةً صادقةً لفراغ موائد الشعوب.


ذلك ما يترجمه صوت الشاعر اليمني عبد الله البردوني، لا بوصفه شاعرًا فحسب، بل شاهدًا على هذا العبث المزمن حيث يقول رحمه الله تعالى:


لماذا لي الجوع و القصف لك ؟

يناشدني الجوع أن أسألك

و أغرس حقلي فتجنيه أنـت .

وتسكر من عرقي منجلك

لماذا ؟ و في قبضتيك الكنوز ؛

تمدّ إلى لقمتي أنملك ؟؟!!

و تقتات جوعي و تدعى النزيه ؛

و هل أصبح اللّصّ يوما ملك ؟

لماذا تسود على شقوتي ؟

أجب عن سؤالي و إن أخجلك

و لو لم تجب فسكوت الجواب

ضجيج ..... يردّد ماااااا أنذلك !!!


ليست هذه الأبيات مجرّد شكوى شاعر، بل هي لائحة اتهامٍ مفتوحة، تُدين نظامًا كاملًا من الاختلال الأخلاقي.....

حيث يُكافأ الناهب، ويُدان الضحية، ويُطلب من الجائع أن يشكر من سرق خبزه!!!!


والسخرية هنا لا تكمن في الواقع وحده، بل في محاولات تبريره:

يُقال للشعوب: "اصبروا"، وكأن الصبر سياسة اقتصادية !!!

ويُقال لهم: "تحمّلوا"، وكأن التحمٌَل مشروع تنموي .......

بينما الحقيقة (أن الجوع ليس قدرًا، بل قرار)


فهل يتوجب على الشعب أن يكون فقيرًا؟

أم أن الفقر—في بعض الأنظمة—هو الوسيلة الأنجع لضمان بقاء الكرسي، واستمرار المسرحية؟


ربما لا تأتي الإجابة صريحة، لكن كما قال البردوني:

"سكوت الجواب ضجيج..."

ضجيجٌ يفضح أكثر مما يبرر، ويقول—بصوتٍ لا يُسمع إلا لمن أراد أن يسمع—

إن الشعوب لم تُخلق لتجوع... بل لِتُحيا.