في لحظات التاريخ الفارقة، لا تُقاس الخسائر بعدد القتلى أو حجم الدمار فحسب، بل بمدى التآكل الذي يصيب "الجدار القومي" والكرامة السياسية. واليوم، وبينما تدخل مأساة غزة عامها الثالث من الصمود الأسطوري أمام آلة الإبادة الصهيونية، يبرز تساؤل مرير يتردد صداه في أروقة الوعي العربي: *هل سقطت العواصم العربية معنوياً يوم سقطت أول قنبلة على غزة وسط صمت مريب؟*
*خذلان غزة.. بداية سقوط العرب.*
لقد ظلت غزة تقاوم شراسة العدو الصهيوني عامين كاملين، والعالم العربي في أغلب مفاصله الرسمية يكتفي بدور "المتفرج".
بل إن المشهد تجاوز الصمت إلى ما هو أدهى؛ حيث تشير القراءات السياسية إلى أن بعض الأنظمة رأت في صمود المقاومة خطراً يهدد استقرار عروشها، متوهمة أن القضاء على "حماس" أكثر إلحاحاً من وقف إبادة شعب أعزل.
ولم يتوقف الأمر عند السياسة، بل امتد إلى "المنابر"؛ حيث ظهرت فئة من "شيوخ السلاطين" لتمارس دوراً تحريضياً صادماً، فأساءت للمقاومة وتبرأت من الجهاد ضد الصهاينة، بل وذهبت في لغتها إلى ما لم يجرؤ عليه الناطق باسم الجيش الصهيوني افخاي ادرعي ، في سقطة تاريخية جعلت من الضحية مداناً ومن الجلاد صاحب حق.
ومع توسع رقعة الصراع لتشمل مواجهة مباشرة بين إيران من جهة، وأمريكا والكيان الصهيوني من جهة أخرى، بدا الموقف العربي الرسمي وكأنه يكرر الخطأ ذاته.
فبدلاً من استثمار التوازنات لحماية المصالح الإسلامية والعربية، اندفعت بعض المواقف نحو الاصطفاف خلف التوجهات الأمريكية الصهيونية، ضاربة عرض الحائط بمصالح الشعوب وأمنها القومي بعيد المدى.
"إن استهداف آخر حواجز الصد في المنطقة ليس انتصاراً لأي نظام عربي، بل هو تقشير لآخر طبقات الحماية التي تمنع التغول الصهيوني الكامل."
*نبوءة "الثور الأبيض"*
اليوم، ومع تصاعد وتيرة التهديدات، يبدو أن المنطقة تقترب من لحظة الحقيقة.
فالسقوط الممنهج للقوى المقاومة في المنطقة، سواء كانت فصائل أو دولاً، لن يعني استقرار الأنظمة التي راهنت على "الحياد السلبي" أو "التآمر المستتر"، بل سيكون إيذاناً بسقوطها هي الأخرى تحت أحذية المشروع الصهيوني
الأمريكي الذي لا يعرف صديقاً ولا حليفاً دائماً.
ولن ينفع حينها الندم، سيردد القادة العرب بمرارة ذلك المثل التاريخي الشهير: *"أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض"*.
فالحكاية التي بدأت بالتفريط في غزة، يبدو أنها لن تنتهي إلا باستباحة البقية، ما لم تدرك الأمة أن عدوها الحقيقي لا يفرق بين عاصمة وأخرى، وأن صمود غزة لم يكن دفاعاً عن "حماس"، بل كان خط الدفاع الأخير عن كرامة أمة توشك أن تفقد بوصلتها.
*خلاصة القول:*
إن غزة ليست مجرد بقعة جغرافية، بل هي "اختبار وجودي". والسماح باستفراد الصهاينة بها، ثم الانخراط في صراع المحاور ضد القوى التي تواجه هذا الكيان، هو انتحار سياسي سيكتب التاريخ تفاصيله في صفحات الخذلان المريرة.
*لقد فرّط العرب في غزة فاستباحوا أنفسهم.*