في كل مرحلة تاريخية مضطربة، يعود سؤال قديم بوجه جديد: هل تحتاج المجتمعات إلى الحرية أم إلى المساواة؟
يبدو السؤال للوهلة الأولى بسيطًا، لكنه في الحقيقة يعكس صراعًا عميقًا حول طبيعة الإنسان، ودور الدولة، وحدود السلطة، ومسار العدالة.
والأسوأ من ذلك أن كثيرًا من الإجابات التي تُطرح عليه تأتي في صورة شعارات حادة، لا في صورة فهم متوازن.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: أن المشكلة ليست في الاختيار بين الحرية والمساواة، بل في سوء إدارة العلاقة بينهما.
فالليبرالية مثلا تنتصر للحرية وتختبئ فيها العدالة
وانبثق الفكر الليبرالي من مقاومة الاستبداد، فرفع شعار الحرية الفردية، وقلّص دور الدولة، وفتح المجال أمام المبادرة الشخصية. وقد أثمر ذلك عن نهضة علمية واقتصادية لا يمكن إنكارها.
لكن مع مرور الوقت، ظهرت مفارقة صعبة: الحرية، عندما تُترك بلا ضوابط عادلة، لا تنتج العدالة، بل تُعيد إنتاج التفاوت والظلم الاجتماعي
في المجتمعات الليبرالية: تتسع الفجوة بين من يملك ومن لا يملك، وتتحول الفرص إلى امتيازات متوارثة، وتتشكل طبقات اجتماعية مغلقة وإن لم يُعلن عنها
وهكذا يصبح المجتمع حرًا في الظاهر، لكنه في العمق يعاني من لا مساواة هيكلية يصعب كسرها.
فالحرية هنا لم تختفِ، لكنها لم تعد كافية لضمان العدالة.
والاشتراكية تقدس المساواة وتُقيد الحياة
جاء الفكر الاشتراكي ردًا على هذا الخلل، فرفع شعار المساواة، وسعى إلى إعادة توزيع الثروة، وتقليص الفوارق بين الطبقات.
الفكرة في أصلها أخلاقية: لا معنى لحرية لا يملكها الجميع.
لكن التطبيق كشف عن مأزق آخر: تحقيق المساواة بالقوة يتطلب سلطة مركزية واسعة، وهذه السلطة سرعان ما تتحول إلى قيد على المجتمع.
وفي التجارب الاشتراكية الصارمة: تراجعت الحوافز الفردية، وضعف الابتكار، وتضخم دور الدولة حتى أصبحت وصيًا على تفاصيل الحياة
وهكذا تحققت درجة من المساواة، لكن على حساب الحرية.
المساواة هنا لم تكن كاذبة، لكنها كانت مكلفة إلى حد إفراز دولة مستبدة، وخنق المجتمع.
وفي التصور الإسلامي توازن مشروط لا مثالية مطلقة
ففي مقابل هذين النموذجين، يقدّم التصور الإسلامي مقاربة مختلفة، لا تقوم على إطلاق أحد الطرفين، بل على ضبطهما ضمن إطار قيمي.
هذا التصور يرتكز على ثلاث قواعد أساسية:
١. مساواة في الكرامة والحقوق الأصلية، لا تفاضل في الأصل الإنساني، والعدالة مبدأ حاكم.
٢. حرية منضبطة، للفرد حق السعي والتملك والعمل، لكن ضمن حدود تمنع الإضرار بالآخرين أو بالمجتمع.
٣. عدالة تصحيحية، عبر أدوات مثل الزكاة والتكافل ومنع الاحتكار، لضبط اختلالات السوق دون قتل روح المبادرة.
لكن من المهم تصحيح تصور شائع: هذا النموذج لا يهدف إلى مساواة مطلقة، ولا يعد بمجتمع بلا تفاوت، بل يسعى إلى تقليل الظلم، وضبط الفوارق، وضمان حد الكفاية.
بمعنى آخر:
هو لا يساوي بين الناس في النتائج، بل يحاول أن يعدل قواعد الفرص المتاحة، بعدالة وحرية
أين تكمن المشكلة الحقيقية؟
الخطأ الذي تقع فيه كثير من النخب هو تحويل المسألة إلى صراع أيديولوجي: إما حرية مطلقة، أو مساواة مطلقة.
بينما الواقع يقول إن كليهما، إذا تُرك بلا توازن، يتحول إلى نقيضه:
الحرية غير المنضبطة تخلق احتكارًا
والمساواة القسرية تخلق استبدادًا
والمجتمعات لا تنهار لأنها اختارت الحرية أو المساواة، بل لأنها فشلت في ضبط العلاقة بينهما.
والمجتمع القوي ليس هو الأكثر حرية، ولا الأكثر مساواة، بل هو الأكثر قدرة على تحقيق معادلة دقيقة:
حرية تُطلق طاقات الإنسان، وعدالة تمنع تحول هذه الطاقات إلى أدوات للهيمنة.
وهذه ليست معادلة سهلة، ولا يمكن استيرادها جاهزة من نموذج فكري واحد.
إنها عملية مستمرة من الضبط والتصحيح، تتطلب، وعيًا سياسيًا عميقًا، ومؤسسات فاعلة، ومنظومة قيم تحكم السلوك العام
وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي ليس:
أيُّهما نختار؟ بل كيف نبني مجتمعًا لا تلتهم فيه الحريةُ العدالة، ولا تخنق فيه العدالةُ الحرية؟
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
✍️ عبدالعزيز الحمزة
السبت ١٢ أبريل ٢٠٢٦م