بقلم: حسين البهام
يُعد الوعي السياسي الركيزة الأساسية في بناء المجتمعات الحية، فهو ليس مجرد ترف فكري، بل نتاج تراكمي يُصقل من خلال الاطلاع والممارسة وتجارب الأازمات التي تمنح الإنسان القدرة على قراءة ما خلف السطور وفهم الواقع بدقة. غير أن هذا الوعي يواجه اليوم حرباً ممنهجة تهدف إلى تعطيله وتشويهه عبر ضخ إعلامي مضلل يربك الحقيقة ويصنع واقعاً افتراضياً لا يمت للواقع بصلة.
ولقد لمسنا في الجنوب نماذج صارخة لهذه المحاولات، حيث لعبت الروايات الإعلامية المدعومة خارجياً دوراً في خلق حالة من الالتباس لدى الشارع الجنوبي، لخدمة توجهات سياسية محددة تهدف إلى توجيه بوصلة الولاء الشعبي نحو قوالب جاهزة بعيداً عن جوهر التمثيل العادل.
واليوم يتكرر هذا المشهد بصورة أكثر تعقيداً، حيث تبرز تحركات عضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالرحمن المحرمي في محافظة أبين كأحد أهم محطات الجدل السياسي؛ إذ يرى مراقبون أن هذه التحركات وما يرافقها من لقاءات تتسم بالانتقائية ولا تعكس الثقل الحقيقي أو الإرث التاريخي والقبلي لهذه المحافظة العريقة التي لا يمكن القفز عليها بأي صيغة كانت.
إن الخطورة في هذه التحركات تكمن في كونها تبدو كجسر لتمكين المجلس الانتقالي الجنوبي من الاستحواذ على النصيب الأكبر في طاولة الحوار الجنوبي-الجنوبي، مما يحول الحوار من منصة للتوافق الوطني إلى آلية لشرعنة الهيمنة وتهميش القوى الفاعلة والمحافظات الرئيسية.
إن محاولة فرض نسبة تمثيل للمجلس الانتقالي تصل إلى الثلثين أو أكثر تحت مسميات شكلية كـ "نسب المحافظات"، ليست مجرد تفصيل إجرائي بل هي خرق واضح لمبدأ تكافؤ الفرص، وتأسيس لحوار غير متوازن في مخرجاته قبل أن يبدأ.
كما أن تكرار تجارب سابقة، حتى وإن جاءت تحت مظلات إقليمية، لن يفضي إلى حلول حقيقية ما لم تُبنَ على أسس عادلة وشاملة ترفض سياسة فرض الأمر الواقع عبر الأغلبية العددية المصطنعة.
لذا، فإن المسؤولية التاريخية تقع اليوم على عاتق كافة القوى السياسية الجنوبية لرفض أي ترتيبات تقوم على المحاصصة غير العادلة، فالنجاح الحقيقي للمسار السياسي القادم مرهون بالإيمان بمبدأ الشراكة والالتزام بتكافؤ الفرص، لأن تجاوز هذه الحقائق لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسامات وإفشال أي مسعى للاستقرار.