آخر تحديث :الخميس-09 أبريل 2026-09:22م

جمهورية التناقضات… حين تُدار الدولة بـ"طاقة الصبر"

الخميس - 09 أبريل 2026 - الساعة 12:10 م
د. سعيد سالم الحرباجي

بقلم: د. سعيد سالم الحرباجي
- ارشيف الكاتب


في زمنٍ تُقاس فيه الدول بقدرتها على البناء والاستقرار، نجح بعضهم—ببراعةٍ تُحسد عليها—في ابتكار نموذجٍ سياسي فريد، لا يشبه إلا نفسه، ولا يُقاس إلا بمعايير العبث.

نموذجٌ يقوم على فلسفةٍ عميقة مفادها:

' كيف يمكن للدولة أن تستمر وهي خالية من كل ما يجعلها دولة؟"


اقتصاديًا:

نحن أمام معجزةٍ تستحق التسجيل في موسوعات الغرائب :

مؤسساتٌ مصرفية تؤدي دورها في حفظ الفراغ .

كوادرُ وظيفية تمارس مهامها اليومية مدفوعةً لا بالأجور، بل بـ"طاقة الصبر"—وهي موردٌ لا ينضب في هذه البلاد، وإن نضبت سائر الموارد.


أما عسكريًا:

فقد تم تجاوز الطرق التقليدية المملة في بناء الجيوش :

فلا حاجة لمدارس أو تأهيل، ما دامت الرتب تُمنح بسخاءٍ يفوق الخيال، والانتصارات تُصاغ بإتقانٍ في نشرات الأخبار، حيث تتحقق كل يومٍ انتصاراتٌ لا تُكلّف نفسها عناء المرور بالواقع.


في الميدان:

حيث يُفترض أن تنبض الحياة...

تتجلّى عبقرية الإدارة في أبهى صورها:

مطاراتٌ دولية تحقق أعلى درجات الهدوء، خاليةٌ من ضجيج المسافرين.

شوارعُ تؤدي دورها كممرّاتٍ مفتوحة لموتٍ مجانيّ، لا يحتاج إلى أسبابٍ أو مبررات.


أما على المستوى العقائدي فقد بلغ الإبداع ذروته :

شعاراتٌ مقدّسة تُرفع عاليًا لكنها—برهافةٍ شديدة—تتحاشى الاحتكاك بالأخلاق، وتفضّل البقاء في فضاء القول دون أن تُثقِل كاهلها بأعباء الفعل.


وهكذا يكتمل المشهد:

دولةٌ قائمة نعم… لكنها قائمةٌ على الفراغ.

مؤسساتٌ موجودة… لكنها بلا مضمون.

خطابٌ صاخب….. لكنه بلا أثر.


إنه نموذجٌ سياسي متكامل يثبت—بجدارة—أن إفراغ الأشياء من محتواها ليس فشلًا عابرًا

(بل مشروعٌ يُدار بكفاءة، ويُعاد إنتاجه يوميًا ) حتى غدت الدولة مجرد هيكلٍ أنيق، يسكنه العبث، وتديره المفارقات، ويستثمره اللصوص.


ولعل أعظم إنجازٍ في هذا النموذج :

أنه لا يحتاج إلى عدوٍ ليسقط.....

فهو يتكفّل بذلك من الداخل، بهدوءٍ يُحسد عليه، ودون أن يُزعج أحدًا… (سوى الحقيقة.)