آخر تحديث :الأربعاء-08 أبريل 2026-03:12م

هل نحن على أعتاب خطأ استراتيجي جديد؟

الأربعاء - 08 أبريل 2026 - الساعة 11:29 ص
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


في خضم الصراع الدائر، ومع تصاعد الدعوات إلى تشكيل قوى موازية لمواجهة مليشيات الحوثي، يبرز سؤال لا يحتمل التأجيل: هل نحن بصدد تكرار أخطاء دفعت شعوبًا أخرى أثمانها لعقود؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن اللجوء إلى “حرب مليشيات ضد مليشيات” خيار عملي، وربما سريع النتائج في ظل تعقيدات المشهد العسكري. لكن التجارب القريبة والبعيدة تخبرنا أن ما يبدو حلًا تكتيكيًا قد يتحول إلى كارثة استراتيجية، حين يُبنى على حساب الدولة ومؤسساتها.

لقد شهد العالم نماذج مشابهة، كان أبرزها تجربة الصحوات العراقية، التي نجحت في تحقيق مكاسب آنية، لكنها تركت خلفها إشكاليات عميقة في مسألة الولاء والاندماج، وأعادت إنتاج التوتر داخل بنية الدولة. أما النموذج الأكثر قسوة، فهو ما أعقب الحرب السوفيتية في أفغانستان، حيث تحولت الفصائل المسلحة—التي نشأت لمواجهة عدو واحد—إلى أطراف متناحرة، دفعت البلاد إلى دوامة طويلة من الفوضى والانهيار.

في الحالة اليمنية، لا تكمن الخطورة في وجود مليشيا معادية فحسب، بل في الطريقة التي نختار بها مواجهتها. فالدولة اليمنية، رغم ما تعانيه من ضعف وتحديات، لا تزال تمتلك إطارًا شرعيًا يتمثل في المؤسسة العسكرية، التي يفترض بها قيادة المعركة ضد التهديدات الداخلية والخارجية. تجاوز هذا الإطار، أو الالتفاف عليه، لا يعني فقط إضعافه، بل يعني فتح الباب أمام تعدد مراكز القوة، وتفكك القرار السيادي.

إن تحويل “الإسناد الشعبي” إلى تشكيلات مستقلة بقرارها وتمويلها، يضعنا على مسار خطير، حيث لا تعود المعركة مع الحوثي وحده، بل تمتد لاحقًا إلى صراعات بين قوى يفترض أنها في خندق واحد. وهنا، يصبح الوطن ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، بدلًا من أن يكون ساحة لاستعادة الدولة.

قد يبرر البعض هذا التوجه بضعف الأداء الرسمي أو بطء الحسم العسكري، وهي مبررات مفهومة في سياقها، لكنها لا تبرر القفز إلى خيارات قد تفقد الدولة ما تبقى من قدرتها على السيطرة مستقبلًا. فالتاريخ لا يرحم الدول التي تسمح بتعدد الجيوش داخل حدودها، ولا يغفر للقوى التي تظن أنها تستطيع التحكم في المليشيات إلى ما لا نهاية.

المطلوب اليوم ليس رفض الإسناد الشعبي، بل إعادة تعريفه ضمن إطار الدولة، بحيث يكون دعمًا منظمًا ومنضبطًا تحت قيادة وزارة الدفاع، لا بديلًا عنها. المطلوب هو توحيد القرار العسكري، ومنع أي تسليح أو تمويل خارج مؤسسات الدولة، ووضع رؤية واضحة لدمج أي قوى مساندة ضمن بنية الجيش الوطني.

إن أخطر ما في هذا المسار أنه لا يُختبر بنتائجه الآنية، بل بمآلاته بعيدة المدى. فقد نكسب معركة، لكننا نخسر الدولة. وقد نحقق تقدمًا ميدانيًا، لكننا نؤسس لفوضى لا يمكن احتواؤها لاحقًا.

السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح:

هل نريد الانتصار كدولة… أم كجماعات؟

لأن الفرق بين الخيارين، هو الفرق بين وطن يُبنى… ووطن يُستنزف حتى آخر ما فيه.