يتحرك النظام السياسي اليمني المعاصر يتحرك مساحة مزدوجة تتقاطع فيها متطلبات التغيير مع ضغوط الأزمة حتى أصبح كل مسار للإصلاح محكوما بواقع نفعي انتهازي يعيد إنتاج الأزمة وتعقيداتها ومنذ خروج الانتقالي عن المشهد ما زالت أزمة المؤسسة تعاني من نفس الإرهاصات والتعقيدات .
والحقيقة تكمن في أم اليمن لا يواجه أزمة مجتمع وإنما هو انعكاس لأزمة السلطة الغائبة عن الشعب بالإضافة إلى أزمة في البنية السياسية إن صح تسميتها بذلك اصطلاحا.
هذا السلطة الشرعية التي عجزت عن وضع صياغة نهائية لدمج ما تعنيه الدولة الحديثة من جهة وما يعنيه التكوين الاجتماعي المتعدد من جهة أخرى.
وفي هذا السياق صبح التغيير المنشود عملية تفاوض مستمرة بين مراكز نفس القوى المتباينة التي لكل منها تصور مختلف لطبيعة الدولة ولمستقبل المجال السياسي ولمفهوم الدولة المدنية .
وهنا تتجلى الأزمة في اليمن على إيقاعاتها النفعية الخاصة خارج إطار منطق الأفعال السياسية حيث تتقدم ضرورات الاستقرار وابقاء الوضع السائد كما هو على مشاريع التغيير الشاملة التي ينشدها الشعب.
إن المجتمع الذي يعاني من تفكك مؤسسي وضغط اقتصادي يميل إلى البحث عن الحد الأدنى من التوازن قبل الانخراط في تغيير جذري.
ومن هنا تظهر مفارقة النظام اليمني إذ أعيد تعريف التغيير وفلسفة الإصلاح على أساس الحفاظ على ما تبقى من محاصصة المكونات ؛ هذه المكونات التي تتأثر بالسلطة بدلا من التغيير الذي قد يجبرها على ترك نفوذها في السلطة والحكم .
بينما يتطلب التغيير إعادة بناء المنظومة السياسية من أساسها فالتغيير الذي كان يطلبه الشعب إنما كان هدفه أن يتحول اليمن إلى نموذج جديد يتناسب مع متطلبات التنمية في الدول المجاورة ويوسع من دائرة التعليم الذي يؤهل الموارد البشرية بأدوات الواقع وأن يكون للفرد كرامة على غرار المواطن الخليجي .
إن غاية المواطن اليمني حينها أن يجد فرصة لأداء الفعل الحضاري في إطار فردية تقودها السلطة أو مجموعة تقودها الجماعة ضمن انسان وظيفية تساهم جميعا من داخل السلطة وخارجها في أداء الفعل الحضاري لا سيما وأن الجماعات القبلية فاقت السلطة في تأسيس البنى التحتية لمجتمعاتها بل قد نجد عراقيل إدارية مؤسسية لمنع أداء دورها وحتى الأمن المجتمعي فالقبيلة والمحليات قادرة على فرض الأمن في مجالها وبأعرافها وأن تمارس ما عجزت عنه المؤسسات الأمنية .
وبين كل ما سبق يتولد نمط من السياسة يقوم على التدرج والمواءمة اكثر مما يقوم على القطيعة وهذا يتطلب عقلية إدارية وسياسية جديدة .
كما ان التكوين الاجتماعي المركب يفرض حضوره في صياغة هذا النموذج.
فالقبيلة والمناطقية والروابط المحلية لا تزال عناصر فاعلة في تشكيل المجال السياسي.
إن هذه العناصر ليست عائقا للتغيير وليست متخلفة كما تدعي بعض النخب الهجينة التي أتت بأفكار ترى من الحرية تحرير المرأة والرجل جسدا لا فكرا ولا تنمية ولا في اتخاذ القرار وإنما كان هذا الهدف هو ارضاء الديمقراطية وتجلية مظاهرها بدلا من تأسيسها من جميع جوانبها وهنا كانت الديمقراطية أطرا للمغالطات وفلسفة إدارية لممارسة الاستبداد والتهميش والاستئثار وعرقلة الحريات وتعطيل التنمية .
فما الذي يجب أن يكون لتجاوز ذاك؟
إن هذا التساؤل يطرحه العامي بينما تنظر له السلطة من دون أن تضع له أقداما تسير على الأرض وهذه أزمة في نثر الكلمات عبر خطابات اشبه ما تكون بالواقع الافتراضي الذي يمارسه الأطفال على روبلكس .
إلا أن خطاب السلطة غالبا ما يكون أداة للهروب من مطالب الشعب بإحداث مسرحيات جديدة تضر بالشعب وتزيد من توسيع جغرافية الأزمة بينما الطفل يستمتع بالخيال رغم مخاطره على نفسه .
إن المجتمعات هي ثرواتنا المعطلة بالمؤسسات الحكومية أو المستخدمة سياسيا لتعطيل الإصلاحات ومنع التحولات وعرقلة التغيير مع أن العالم يتغير يوميا نحو متطلبات أكثر ترفيها وخدمة لشعوبهم من خلال مشاركة المجتمع والجمعيات والنظام السياسي .
بينما تسعى السلطة اليمنية للبحث عن سوق جديد لتصريف مواردها البشرية وحتى يتسنى لها تأجير الجغرافيا دوليا.
إن هذه السلطة هي الأزمة ومنذ بداية نشأنها وهي ترى أن سبب أزماتها هو منع دول الجوار من استقدام عمالتها .
فعن أي عمالة تتحدث ولت يوجد لها تكوين مهني ولا تعليم متقدم ولا أي استثمار لهذا المواطن الذي أصبح لا يجيد شيئا سوى العسكرة والخطب المنبرية والتعليقات الصحفية وهذه هو انعكاس واقعي لعقلية مؤسسات الدولة.
وإذا أردنا معرفة الحقيقة سنجد أن موظفي الدولة اليمنية يرون أنفسهم غير مؤهلين للعمل خارج إطار مؤسسات الدولة و لتجاوز أزمة المأسسة فإنه يجب علينا أن نعمل على أداتين:
الأولى تقوم على إعادة تأهيل من لديه قابلية للتأهيل وهنا سنجد أن الأكثرية ليس لديهم هذه القابلية وبهذه الآلية ستتخلى المؤسسات من النمطية الكلاسيكية التقليدية القائمة وعقلية الإعاقة التقدمية والحزبية والجهوية.
والثانية هو في وضع معايير وظيفية جديدة تتناسب مع احتياجات المجتمع والدولة والاقليم والعالم وبوسعنا أن نضع برامج عملية لتطبيق هاتين الأداتين إن أردنا دولة مدنية إكرامنا لقيمنا وأخلاقنا وإنسانيتنا وشعبنا .
ومن ضمن هذه البرامج برامج توجيهه تعمل وفق منطق التوازن الاجتماعي والتنمية خارج إطار المؤسسة بإدارتها المشتركة مع المجتمع .
إن الدولة في اليمن لا يجب أن تعمل في حلقات مفرغة من الولاءات وإنما يجب على الفاعل السياسي ان يبحث عن توافقات واسعة قبل اتخاذ اي خطوة حتى لا يصطدم بعرقلة برامجه ومشاريعه على غرار ما حدث من تعيينات حكومية يتغير الرئيس ولا يتغير الأسلوب وهذا هو فشل في اتخاذ القرار وفشل أيضا في قبوله لأن منطق القرار يقتضي دراسة مفصلة لعمل الحكومة بما يتناسب مع الإمكانيات والأهداف المرسومة وهذا يحتاج إلى لجان وعمليات مؤسسية حتى يكون القرار فاعلا ورشيدا ويقابل ذلك القبول الذي كان يجب على الحكومة ان تدرس ما كلفت به دراسة واقعية وتراجعه وتبني على ذلك احتمالاتها وقبل ذلك يجب أن تدرك الحكومة أن هناك سياقات يجب معالجتها قبل تسمية الحكومة لا ان تتخلى عن مسؤوليتها بتفويض القرار الى الحكومة لأن رئيس الدولة هو المسؤول الأول وبجب أن يكون يؤسس قراراته على مركز بحثي استشرافي يجمع بين النظرية والأدوات والمنهجية والمقاربات وإن يكون لديه مجلسا للرقابة الميدانية ووظيفتها جمع البيانات من جهة ومتابعة العمل من جهة ثانية واستلام الأعمال من جهة ثالثة .
وهكذا يصبح التغيير عملية تراكمية تتشكل من تفاهمات متعددة وتغيرات وظيفية بدل ان يكون قرارا مركزيا غير مدرك بواقع القرار ولا باحتمالاته ولا حتة بالعلاقة بين الإمكانيات والاحتياجات والمكنة والقدرات .
إن الأزمة تلغي الحدود بين السياسي والاجتماعي بحيث يتحول الفعل السياسي إلى محاولة لإدارة التعدد بدلا من إلغائه وبناء رؤية مؤسسية واحدة حتى أن الدول ااديمقراطية ترفض الاحزاب المشاركة في السلطة التنفيذية حتى تبقى المسؤولية واحدة لا متعددة وهنا يحاسب الحزب عبر مؤسسات مستقلة ويخضع للتساؤل والمحاسبة عندما تسقط الحصانة إما بالاستقالة او بانتهاء الفترة او بالاكراه الشعبي.
إن المطلوب ليس بناء نموذج موحد بقدر ما هو خلق إطار يستوعب التنوع ويمنحه شكلا مؤسسيا.
وهذا ما يجعل الحديث عن النموذج السياسي اليمني مرتبطا بفكرة التوازن بين المركز والأطراف وبين الدولة والبنى الاجتماعية. فكل محاولة لتغليب احد هذه المستويات على الآخر تؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة في صورة جديدة.
كما ان البعد الإقليمي يلقي بظلاله على مسار التحول السياسي كون اليمن بحكم موقعه الجغرافي يتأثر بالتوازنات المحيطة به مما يجعل التغيير الداخلي مرتبطا بحسابات أوسع.
إن هذا التداخل يضيف طبقة اخرى من التعقيد حيث يصبح القرار السياسي عبارة عن عملية تفاعلية بين الداخل والخارج.
وفي هذه الحالة لا يكون التغيير عملية داخلية فقط وإنما هو جزء من إعادة تشكيل المجال الإقليمي نفسه.
ومع ذلك فإن احتياجات الأزمة قد تفتح المجال لنموذج سياسي أكثر مرونة..
إن الأزمات الطويلة تدفع المجتمعات إلى البحث عن صيغ جديدة للتعايش وربما للبحث عن تكوينات معارضة للسلطة وربما خارجة عن القانون وإذا فتح الكجال تصبح تابعة لقوى خارجية لتؤدي وظيفة ليس لها غاية على غرلر الجبهات التي كانت تتجه من المنطقة الوسطى إلى صنعاء قوى أيدلوجية.
وفي اليمن يمكن ان يؤدي هذا البحث إلى بلورة نموذج يقوم على توزيع السلطة وتوسيع المشاركة وإعادة بناء المؤسسات على اساس توافقي لدرء الأزمات أو لمنع تشكيل مليشيات خارج السلطة ذلك أن سد الذرائع مطلقا يؤدي إلى الممانعة والخروج والعنف ولكن المنطق الفقهي يشير إلى أن سد الذرائع يتطلب فتح ذرائع جديدة وهذا من فقه التوازنات بين السلطة والمجتمع.
هذا النموذج لا يلغي التعدد وإنما يحوله إلى توازن استراتيحي داخل البنية السياسية.
ومن ثم نتجه نحو النموذج السياسي اليمني المعاصر عبر استراتيجية دينامية و تشكل دائم تتفاعل فيه متطلبات التغيير مع إكراهات الأزمة لتنتج صيغة سياسية حضارية تخرج اليمن من مكوناته الضيقة الى صيغ مفتوحة تتناسب مع مقاصده.
هذه الصيغة لا تدعي الكمال لكنها تعكس إرادة المجتمع في إعادة تنظيم نفسه في ظل واقع متحول محليا وأقليميا ودوليا.
ومن خلال هذا التفاعل المستمر يمكن لليمن ان ينتقل تدريجيا من إدارة الأزمة إلى بناء نموذج سياسي قادر على استيعاب التنوع وتحقيق قدر من الاستقرار داخل بيئة إقليمية معقدة ومن ثم يمكننا الحديث عن اندماج اليمن ضمن مجلس دول التعاون الخليجي معبرا عن دوره وقادرا على أن يكون فاعلا يؤسس لاستراتيجية التكامل الحضاري مع اشقائه بما يتناسب مع غطرفته وتاريخه وليس أن يظل اسيرا لسلطات تهدد به أمن الخليج أو تستغل به جيرانها أو تهدد به العالم الدولي تحت مظلة الإرهاب وكأن اليمن لا علاقة له بالحضارة التي به نشأت أسسها وانتهت به معالمها.
وعلى ما يبدو لي فإن النخبة السياسية في اليمن ما تزال امتداد لمرحلة لم تنته بعد نهاية امدها فما تزال تعيد إنتاج نفس النظام منذ بداية الثورة و تتشكل حاليا من بقايا السلطة وبقايا المعارضة في آن واحد وهو ما افقدها القدرة على إحداث التغيير رغب ركوبها موجته وهو ما جعلها اسير توازنات قديمة.
ومع هذه النخبة فإنها لا تتحرك بوصفها قوة تغيير وإنما بوصفها حارسا لذاكرة الصراع حيث يعاد انتاج الانقسامات داخلها حتى وهي تتحدث باسم الدولة أو باسم التحول.
ومن هنا يظهر التحدي الرئيس إذ تتحول النخبة التي يفترض ان تقود الاستقرار إلى عامل يعيد تدوير الأزمة عبر تنافسها على الشرعية وعلى تمثيل الدولة.
إن هذه النخبة نشأت في سياق سياسي اتسم بالصراع المستمر مما جعل خطابها مبنيا على المواجهة أكثر من البناء ووحينما انتقلت إلى مرحلة يفترض فيها إعادة تشكيل الدولة بقيت اسيرة أدواتها القديمة فاستمرت في التعامل مع السياسة بوصفها صراعا صفريا.
هذا النمط من التفكير يجعل كل محاولة لبناء توافق شعبي عرضة للتفكك لأن الفاعلين ينظرون إلى التوافق باعتباره هدنة مؤقتة لا إطارا دائما.
وهكذا يصبح المجال السياسي ساحة لإعادة توزيع النفوذ بدلا من أن يكون فضاء لبناء مؤسسات مستقرة.
كما أن تداخل بقايا السلطة والمعارضة داخل هذه النخبة خلق مفارقة بنيوية لا سيما وأنها كانت جزء من النظام السياسي المشارك مع الرئيس صالح وعندما ازيحت من السلطة تحولت إلى المعارضة .
وحينها تشكل ما يعرف بقدرة السلطة على الاقصاء والتهميش وبقدرة المعارضة على الهدم والتدمير ولكل منهما يستخدم اوراقا ضد الآخر ليس فيه ما يفيد الشعب.
إن الأطراف التي كانت تتصارع سابقا تجد نفسها اليوم داخل بنية واحدة لكنها تحمل معها ذاكرتها المتعارضة.
هذه الذاكرة من أهم عوامل إعاقة تجديد الثقة المتبادلة مما يجعل القرار السياسي محكوما بالحذر المتبادل وهذا من أهم متطلبات أن يعيد الشعب تجديد نفسه بخلق نخبة جديدة تتجاوز التناقض البيتي بين السلطة والمعارضة.
لأنه في غياب الثقة يصبح بناء الدولة عملية بطيئة تتعثر عند كل خطوة لأن كل طرف يخشى أن يتحول التوافق إلى وسيلة لإقصائه.
وتتجلى المشكلة ايضا في أن هذه النخبة غالبا ما تستند إلى شبكات ولاء تقليدية بدلا من الاعتماد على مؤسسات حديثة.
إن لقوة السياسية لا تنبع من برنامج فحسب وإنما أيضا ب ما تستند عليه من علاقات شخصية ومناطقية.
هذا النمط القائم يعيد انتاج منطق الدولة الغائبة حيث تصبح المؤسسات انعكاسا لتوازنات النخبة بدلا من ان تكون إطارا للجميع.
ومع استمرار هذا الوضع يتراجع مفهوم الدولة لصالح مفهوم التوافق بين القوى النافذة .
إن استعادة الدولة تتطلب نخبة قادرة على تجاوز هذا الإرث لان بقاء نفس الوجوه والآليات يحد من إمكان التحول.
فالنخبة التي تشكلت في ظل الأزمة تميل إلى إدارة الأزمة لا إنهائها لأن استمرارها يمنحها مبرر البقاء.
ومن هنا يصبح التحدي الحقيقي في الانتقال من نخبة الصراع إلى نخبة البناء أي من الفاعلين الذين يتنافسون على النفوذ إلى فاعلين يسعون إلى إعادة تشكيل المجال السياسي على اساس مؤسسي.
غير ان هذا التحول لا يعني إقصاء هذه النخبة بل إعادة تعريف دورها. فبدلا من ان تبقى حبيسة ثنائية السلطة والمعارضة يمكن ان تتحول إلى إطار توافقي يعترف بتعدد الخبرات ويعيد توجيهها نحو بناء الدولة.
ويتطلب ذلك انتقال الخطاب السياسي من منطق الشرعية التاريخية إلى منطق الشرعية المؤسسية حيث تصبح الكفاءة والقدرة على إدارة التعدد معيارا للحضور السياسي.
في هذا السياق تبدو النخبة السياسية في اليمن امام اختبار تاريخي فإما ان تبقى امتدادا للماضي فتستمر الأزمة أو تتحول إلى جسر نحو المستقبل فتسهم في استعادة الدولة.
وهذه النقد الفاصل لا يتعلق بالأفراد فقط وإنما بطريقة التفكير التي تحكم المجال السياسي. وعندما يحدث هذا التحول يمكن للنخبة ان تنتقل من كونها جزءا من المشكلة إلى عنصر من عناصر الحل فتفتح الطريق امام بناء دولة تستند إلى التوافق والمؤسسات بدل من الصراع وإعادة تدوير الانقسام.
كما أن تأسيس نظام جديد بديل عن الشرعية القائمة اشكالية أخرى تتجاوز تغيير النخبة إلى إعادة تعريف المجال السياسي نفسه فالمشكلة لا تكمن فقط في مكونات الشرعية الحالية بل في البنية التي جعلت الشرعية مرتبطة بتوازنات قوى متحركة وليس بمؤسسات مستقرة.
ومن هنا يصبح البديل المطلوب ليس إسقاط شكل قائم فحسب وإنما بناء تصور مختلف للدولة يقوم على إعادة توزيع الفعل السياسي بين المجتمع والسلطة بحيث تتحول الشرعية من اصطفاف مكونات إلى توافق اجتماعي واسع.
إن أي نظام بديل لا يمكن ان يولد من فراغ وإنما من داخل الواقع نفسه عبر تفكيك آليات الأزمة وإعادة تركيبها في صورة جديدة. وهذا يعني ان الانتقال لا يتم عبر القطيعة الكاملة وإنما عبر تحويل مراكز القوة من أدوات صراع إلى عناصر استراتيخية ضمن بنية مؤسسية.
فالدولة الجديدة لا تقوم على إلغاء التعدد وإنما على تنظيمه ضمن إطار قانوني يحد من هيمنة أي طرف على الآخر وهذا يستدعي قيادة جديدة تستمد شرعيتها من إرادة شعبها وموافقة رعاة الدولة والتغيير.
وفي هذا السياق يصبح تأسيس النظام البديل عملية تدريجية تبدأ بإعادة تعريف السلطة بوصفها وظيفة عامة لا امتدادا لشرعية تاريخية متنازع عليها.
كما ان بناء نظام بديل يقتضي تحرير مفهوم الشرعية من الارتباط بالتمثيل السياسي الضيق فالشرعية في سياق الأزمات الطويلة تفقد معناها عندما تتحول إلى غطاء لتوازنات مؤقتة.
ومن ثم فإن البديل يقوم على توسيع قاعدة الشرعية لتشمل المجتمع بوصفه مصدر الاستقرار وهذا يتطلب إعادة الاعتبار للمجال الأهلي والنقابي والمحلي بحيث تصبح هذه المستويات جزءا من عملية إعادة بناء الدولة.
وعندما تتسع قاعدة المشاركة يتراجع احتكار النخبة للقرار وتظهر بنية سياسية أكثر مرونة.
ويفرض الواقع اليمني تحديا اضافيا يتمثل في التعدد الاجتماعي والمناطقي.
ان النظام البديل لا يمكن أن يقوم على مركزية صلبة تعيد إنتاج الصراع بل على صيغة توازن بين المركز والأطراف.
هذه الصيغة تسمح بتوزيع السلطة بطريقة تقلل من مخاوف الإقصاء وتمنح كل مكون مساحة للحضور ضمن إطار الدولة وفي هذه الحالة تتحول اللامركزية من مطلب سياسي إلى آلية لإعادة بناء الثقة بين المجتمع والسلطة.
كما ان تأسيس نظام جديد يتطلب الفصل بين إدارة المرحلة الانتقالية وبناء المؤسسات الدائمة.
وينبغي ان تقزم الفترة الانتقالية على توافق واسع يهدف إلى تثبيت الاستقرار بينما تتولى المؤسسات الجديدة صياغة النظام طويل الأمد.
وهذا الفصل يمنع انتقال التوافق المؤقت إلى داخل البنية الدائمة للدولة وعندما تتحقق هذه المعادلة يصبح الانتقال خطوة نحو الاستقرار وليس إعادة ترتيب للنخبة وتدوير لها.
وفي عمق هذا التصور يظهر ان النظام البديل ليس هيكل سياسي وحده بقدر ما هو ثقافة جديدة في إدارة الاختلاف والتوازن.
إن الدولة التي تقوم بعد الأزمات تحتاج إلى آلية تسمح بتعدد الرؤى دون ان يتحول الاختلاف إلى صراع وجودي وهذه الآلية تقوم على مؤسسات قادرة على استيعاب التنافس ضمن قواعد واضحة. وعند هذه النقطة يتحول التغيير من حدث سياسي إلى عملية اجتماعية تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ومن ثمة فإن تأسيس نظام جديد بديل عن الشرعية القائمة لا يعني استبدال مكونات بمكونات أخرى وإنما عبر إعادة بناء مفهوم الشرعية، فالبديل الحقيقي هو انتقال المجال السياسي من دائرة الغلبة إلى استراتيجية التوافق ومن الشرعية المؤقتة إلى الشرعية المؤسسية.
وعندما يتحقق هذا التحول يصبح النظام الجديد قادرا على استيعاب التعدد وإعادة بناء الدولة على اساس المشاركة والاستقرار بدلا من استمرار دورة الأزمة.
ويعد التحول المحتمل في اليمن اختبارا لدول الخليج ليس فقط من زاوية الأمن المباشر بل من زاوية المسؤولية الحضارية التي تربط المجال الخليجي بعمقه الجنوبي.
فاليمن لا يقع خارج المنظومة الاجتماعية للجزيرة العربية وإنما يشكل امتدادا تاريخيا وبشريا مما يجعل أي تغيير في بنيته السياسية ذات انعكاسات مباشرة على توازن المنطقة.
ومن هنا تصبح مقاربة دول الخليج لهذا التحول محكومة بثنائية الأمن والاستقرار من جهة والواجب الحضاري في دعم إعادة بناء الدولة من جهة أخرى.
هذه الثنائية تفرض الانتقال من فلسفة إدارة الأزمة إلى استراتيجية المساهمة في التأسيس لمرحلة جديدة.
إن المسؤولية الأمنية تفرض على دول الخليج النظر إلى استقرار اليمن بوصفه جزءا من أمنها الداخلي وليس ملفا خارجيا منفصلا ؛ فالهشاشة السياسية في اليمن تنتج فراغا امنيا يمتد تأثيره عبر الحدود في صور توترات أمنية وهجرات غير منظمة وتوسع لاقتصادات غير رسمية.
ولذلك فإن دعم قيام نظام سياسي مستقر في اليمن يصبح خيارا وقائيا يحد من انتقال الأزمة إلى المجال الخليجي غير ان هذا الدعم لا يقتصر على البعد العسكري او الأمني وإنما يتطلب مقاربة أوسع تقوم على بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على إدارة التعدد.
وفي البعد الحضاري يظهر اليمن بوصفه جزءا من الذاكرة المشتركة للجزيرة العربية حيث تتداخل الروابط القبلية والاجتماعية والثقافية.
هذه الروابط تمنح دول الخليج موقعا خاصا في التعامل مع التحول اليمني لأنها لا تتعامل مع فضاء بعيد وإنما مع امتداد اجتماعي متصل.
ومن هنا يمكن ان تقوم المقاربة الحضارية على دعم المصالحة المجتمعية وتعزيز التماسك الاجتماعي بدلا من الاكتفاء بالتعامل مع النخبة السياسية.
إن استقرار اليمن في هذا المنظور يبدأ من إعادة بناء النسيج الاجتماعي الذي تضرر بفعل الصراع.
كما ان التعامل مع التغيير يقتضي تجنب تحويل اليمن إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي.
إن المسؤولية الأمنية تتطلب الحفاظ على توازن يسمح للنظام الجديد بالنشوء دون ضغط متعارض من الخارج وهذا يعني دعم عملية سياسية جامعة تحظى بقبول واسع وتمنح مختلف المكونات فرصة المشاركة.
وفي هذه الحالة تتحول دول الخليج من فاعل يسعى إلى حماية مصالحه الضيقة إلى شريك يسهم في بناء استقرار طويل الأمد.
وتبرز كذلك أهمية البعد التنموي في هذه المقاربة. فالأزمات السياسية في اليمن ترتبط بضعف البنية الاقتصادية مما يجعل أي تحول سياسي عرضة للانتكاس.
ومن هنا يمكن لدول الخليج ان تلعب دورا في دعم إعادة الإعمار وتعزيز فرص العمل وتحسين الخدمات الأساسية.
هذا الدعم لا يمثل مساعدة اقتصادية فحسب بل جزءا من المسؤولية الحضارية التي تسعى إلى إعادة دمج اليمن في محيطه الطبيعي بوصفه شريكا لا ساحة أزمات يمكن دفعها بهذه الآلية القائمة على ما تقدمه السلطات اليمنية القائمة.
وفي هذا السياق يصبح التعامل الخليجي مع التغيير عملية متعددة المستويات تبدأ بدعم الاستقرار السياسي وتمر بإعادة بناء المؤسسات وتنتهي بتعزيز التكامل الاجتماعي والاقتصادي.
هذه المقاربة المتكاملة تسمح بتحويل التحول اليمني من مصدر قلق إلى فرصة لإعادة تشكيل المجال الإقليمي على اساس أكثر توازنا.
وعندما تتبنى دول الخليج هذا المنظور فإنها لا تحمي أمنها فقط بل تسهم في إعادة بناء عمق حضاري مشترك يعزز الاستقرار في الجزيرة العربية بأكملها.
ويعكس فقدان المؤسسة في اليمن المعاصر وهي المرحلة الأكثر هشاشة في عمر الدولة الحديثة حيث لم تعد المؤسسات فقط أدوات تدوير وإدارة وإنما أصبحت عبثا يتسع بقدر انكسار قدرتها على تنظيم المجتمع وتحقيق التنمية.
إن الشرعية التي يفترض أن تكون أساس البناء المؤسسي تحولت إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام و تستخدم لإضفاء الشرعية على توازنات قصيرة المدى بدلا من أن تكون ضمانة لحماية المجتمع.
هذا التحول جعل البنية المجتمعية والتنموية رهينة للاختلالات السياسية ذلك ان كل مشروع تنموي وكل محاولة لإعادة الإعمار تواجه عراقيل تضعف من أثره وتعيد إنتاج عدم الاستقرار.
إن الشرعية التي كان يفترض أن تجمع المواطنين حول الدولة صارت اليوم معيارا للصراع يستخدمها الفاعلون السياسيون لتقوية مواقعهم على حساب الآخرين وتستخدم لتحديد من له حق الوصول إلى الموارد ومن يحق له ذلك وبذلك تتحول السلطة من أداة للحكم الرشيد إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ ويصبح المجتمع تابعا لهذا التوزيع لا شريكا في صنع القرار.
وفي هذا الواقع تتحول المؤسسات التي يفترض أن تدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى مظاهر شكلية لا تملك القدرة على توفير الخدمات الأساسية ولا على تنظيم الاقتصاد المحلي ولا على حماية المواطنين من الانقسامات الداخلية.
كما أن فقدان المؤسسة يؤدي إلى تعميق أثر الأزمة على البنية الاجتماعية، فالقبائل والمجتمعات المحلية التي كانت تشكل شبكات دعم وأسواقا للتعاون تجد نفسها مضطرة للانخراط في صراعات القوة بدلا من الانخراط في التوازن الاجتماعي.
ومع غياب إدارة مركزية فعالة تصبح المجتمعات المحلية خاضعة لتأثيرات قوى خارجية أو داخلية تسعى لتوظيف الانقسام لمصلحتها. وهذا الوضع يجعل التماسك الاجتماعي في خطر مستمر ويحول التنمية إلى مشروع ضعيف التأثير عاجز عن تجاوز الانقسامات.
إن الفقدان المؤسسي يعيد إنتاج الأزمة في دورة مستمرة كما يلي:'
- المؤسسات غير قادرة على فرض القانون والسلطة تستخدم الشرعية كأداة لتفكيك المجتمع وتتوقف التنمية عند حدود هذه التفككات.
وهكذا تتحول الدولة إلى فضاء يدار بالضغط والتوازنات بدل أن يكون شبكة تنظيمية لتعزيز الأمن والاستقرار.
إن كل خطوة نحو التنمية تحتاج إلى إعادة تأسيس المؤسسة وإعادة تعريف الشرعية بحيث تكون خدمة للمجتمع وليس أداة للسيطرة.
وفي هذا السياق يصبح التحدي الأساسي ليس فقط في إعادة بناء المؤسسات المادية أو الإدارية وإنما قي إعادة تشكيل معنى الشرعية وإعادة ثقة المجتمع بها.
إم الشرعية يجب أن تعود أداة للتقارب الاجتماعي ولحماية التنمية وليس ا أداة لتفكيكها. وعندها فقط يمكن للمجتمع أن يبدأ في استعادة قدرته على التعاون والتنمية وللدولة أن تبدأ في تحقيق وظيفتها الأساسية في تنظيم المجال الاجتماعي وضمان الاستقرار وحتى تتحقق هذه الرؤية سيظل فقدان المؤسسة والشرعية المتحولة إلى أداة صراع عائقا مركزيا أمام أي مشروع لإعادة بناء اليمن.
وبذلك ننادي رئيس الدولة أن يفهم دوره وأن لا يضيع الشرعية بتغييرات هيكيلية وظيفية لا أثر لها في الواقع ومن لم يتغير لا شك سيغير ليس بطريقته التي تناسبه وإنما بالطريقة التي تتناسب معه وهذه من سنن الله في التبديل عندما تعجز أدوات الفعل الذاتي عن التغيير .