آخر تحديث :الأحد-17 مايو 2026-02:46ص

هل كانت أونمها مظلة للسلام أم داعمة للحوثي ؟

الثلاثاء - 07 أبريل 2026 - الساعة 03:39 م
عبدالجبار سلمان

يمثل انتهاء أعمال بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) في الثلاثاء 31 مارس 2026 محطة مفصلية في مسار الصراع اليمني، ليس فقط من حيث الإجراء الأممي ذاته، بل لما يحمله من دلالات سياسية واستراتيجية عميقة تعكس تحوّلًا في فهم المجتمع الدولي لطبيعة هذا النزاع وتعقيداته المتشابكة. فقد جاءت هذه البعثة في الأصل عقب اتفاق ستوكهولم أواخر عام 2018، في لحظة دولية حرجة هدفت إلى تجنب معركة كبرى في محافظة الحديدة، التي كانت ولا تزال تمثل شريانًا اقتصاديًا وإنسانيًا بالغ الأهمية لليمن، حيث نجح الاتفاق حينها في وقف تقدم القوات الحكومية نحو المدينة الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مانعًا بذلك كارثة إنسانية محتملة، لكنه في المقابل أسس لنموذج “تجميد النزاع” بدلًا من حله. هذا التجميد حوّل الحديدة إلى ما يشبه المنطقة الرمادية، حيث لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي، بل حالة من الجمود المُدار دوليًا عبر بعثة محدودة الصلاحيات، لم تمتلك الأدوات الكافية لمعالجة جذور الصراع أو فرض حلول مستدامة. ومع مرور الوقت، استثمرت ميليشيا الحوثي هذا الوضع لتعزيز مواقعها، وعسكرة الموانئ، وتحويل المدينة إلى نقطة نفوذ استراتيجية تُستخدم كورقة ضغط سياسية وعسكرية، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية. وبدل أن تكون البعثة أداة لتغيير الواقع، أصبحت وفق تقييمات واسعة مظلة سياسية تحمي الأمر الواقع وتكرّس اختلال ميزان القوى، وهو ما يعكس فشل نموذج “الإدارة الجزئية للنزاع” الذي اعتمدته الأمم المتحدة في هذه الحالة. في هذا السياق، جاء قرار مجلس الأمن 2813 الصادر في يناير 2026 ليضع حدًا لهذه المرحلة، عبر إنهاء عمل البعثة ونقل مهامها إلى مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن بقيادة هانس غروندبرغ، في خطوة تعكس إدراكًا دوليًا متزايدًا بأن المقاربة السابقة لم تعد فعالة، وأن إدارة النزاع بشكل جزئي لم تؤدِّ إلا إلى تعقيده وإطالة أمده. ويشير هذا التحول إلى توجه نحو مقاربة أكثر شمولًا، تدمج بين المسارات السياسية والعسكرية والإنسانية، بدل الاكتفاء بالمراقبة الميدانية المحدودة. ولم تعد الحديدة في هذا السياق مجرد جبهة محلية مجمدة، بل تحولت إلى عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها قضايا السيادة اليمنية مع توازنات الردع الإقليمي وأمن البحر الأحمر، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية. فالمعادلة الجديدة التي بدأت تتشكل تؤكد أن أمن الممرات البحرية لا يمكن فصله عن استقرار الدول المطلة عليها، وهو ما يجعل من مضيق باب المندب محورًا استراتيجيًا لا يخص اليمن وحده، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي وحركة التجارة الدولية. ومن هنا، فإن أي تهديد ينطلق من السواحل اليمنية ينعكس مباشرة على أمن المنطقة، بما في ذلك دول مثل مصر التي تعتمد بشكل كبير على استقرار هذا الممر الحيوي. في المقابل، تصاعدت الانتقادات للبعثة الأممية خلال سنوات عملها، حيث أشار كثيرون إلى غياب نتائج ملموسة على الأرض، خاصة فيما يتعلق بحماية المدنيين، الذين ظلوا يعانون من القصف والألغام وتدهور الأوضاع الإنسانية دون تدخل فعّال. كما وُجهت اتهامات للبعثة بالانحراف عن مسارها، إذ تحولت من أداة لمراقبة السلام إلى عامل ساهم في تثبيت الواقع القائم ممثلة بميليشيا الحوثي، بل وسهّل بصورة غير مباشرة عسكرة الموانئ واستخدامها لأغراض تهدد الملاحة الدولية. هذا الواقع دفع بعض الأطراف إلى اعتبار قرار إنهاء البعثة بمثابة اعتراف دولي متأخر بفشل مرحلة طويلة من التعاطي غير الحاسم مع ميليشيا الحوثي، بل واعتباره إعلانًا غير رسمي لانتهاء صلاحية اتفاق ستوكهولم ذاته، الذي وُصف بأنه “وُلد ميتًا” ولم يحقق تطلعات السكان المحليين، خصوصًا في تهامة. ومع انتهاء مهمة “أونمها”، تبرز مرحلة جديدة تحمل في طياتها فرصًا وتحديات في آنٍ واحد. فمن جهة، تتيح هذه الخطوة إمكانية إعادة الاعتبار لمفهوم السيادة اليمنية، وتوحيد الجهود السياسية تحت مظلة أكثر فاعلية، وتصحيح الاختلالات التي نتجت عن سنوات الجمود. ومن جهة أخرى، تثير مخاوف من عودة التصعيد العسكري، في ظل غياب آلية ميدانية واضحة للمراقبة، واستمرار التعقيدات الإقليمية التي تؤثر بشكل مباشر على مسار الصراع. وقد دعت قوى سياسية يمنية إلى استثمار هذه اللحظة لإعادة ترتيب الأوضاع في الحديدة، وتعزيز حضور الدولة، وإنهاء الانقلاب الحوثي، مؤكدة أن أي حلول تتجاهل إرادة السكان المحليين ستكون محكومة بالفشل. في المحصلة، لا يمثل إنهاء بعثة “أونمها” نهاية للصراع في الحديدة، بل نهاية لمرحلة من إدارته، وبداية لاختبار جديد أمام المجتمع الدولي، الذي بات مطالبًا بتبني مقاربة أكثر واقعية وشمولًا، تتجاوز سياسة تجميد النزاعات نحو معالجتها جذريًا. فاليمن اليوم يقف عند مفترق طرق، حيث لم يعد بالإمكان فصل المحلي عن الإقليمي، ولا الإنساني عن الاستراتيجي، في مشهد معقد يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ورؤية دولية أكثر توازنًا، تضع في اعتبارها أن الاستقرار الدائم لا يمكن أن يتحقق دون دولة فاعلة ذات سيادة، قادرة على فرض الأمن وضمان سلامة أراضيها وممراتها الحيوية. إن إنهاء بعثة “أونمها” لا يمثل نهاية للنزاع في الحديدة، بل نهاية لمرحلة من إدارته. وهو إعلان ضمني بفشل مقاربة “تجميد الصراع” كبديل عن حله. المجتمع الدولي اليوم أمام اختبار حقيقي هل سينجح في الانتقال إلى مقاربة أكثر شمولًا وفعالية ؟ أم سيعيد إنتاج نفس الأدوات بصيغ مختلفة لدعم ميليشيا الحوثي ؟ في كل الأحوال، تبقى الحديدة وتهامة عموماً ومعها اليمن في قلب معادلة إقليمية حساسة، حيث يتداخل المحلي بالإقليمي، والإنساني بالاستراتيجي، في مشهد لا يحتمل المزيد من الحلول المؤقتة أو أنصاف المعالجات.