كثيراً ما نردد في موروثنا الشعبي أمثالاً تُلخص الخيبات البشرية لكن بيت الشاعر بن ناصر الذي شدني وانا
جالس استمع لاغنية الفنان على بن جابر اليزيدي حني يا الكبد حني يلمس وتراً أكثر عمقاً وألماً حين يقول
ما قال بن ناصر بعض الناس ما تدري.. ويش ينفع النسري لاقد كسرت لجناح ؟
هذا البيت ليس مجرد عتاب بل هو تشريح دقيق لمعنى فوات الأوان فالنسر سيد الفضاء ورمز الأنفة تكمن قيمته
في قدرته على التحليق فإذا كُسرت أجنحته أو أُغلقت في وجهه آفاق الطيران فما نفع أي محاولة للاحتفاء به أو
إطعامه أو حتى الرثاء له ؟
المشكلة التي يطرحها البيت هي الجهل بعض الناس ما تدري هناك نوع من البشر لا يدرك قيمة المبدع أو
الصديق الوفي أو الفرصة الثمينة إلا عندما تفقد وظيفتها الأساسية .
في العلاقات نجد من يهمل رفيقه حتى ينطفئ بريق الحماس في عينه ثم يحاول إرضاءه .
في الإبداع نجد من يحطم الموهوب بالعراقيل فإذا اعتزل وجلس في زاوية الانكسار جاؤوا يكرمونه
في الثورات نجد الاخطاء و الفساد فاذا سقطت كثر الموضحون وهم في الاساس اهم تلك لاسباب
اختيار النسر هنا ذكي جداً فالنسر لا يُشفق عليه وهو يحلق بل يُهاب لكن عندما تكسر الجناح تغلقت الأبواب أو
انكسرت الهمة يصبح النسر مجرد طائر حزين لا يغني عنه ماضيه شيئاً إن تقديم المساعدة أو الاعتراف
بالفضل بعد ضياع القدرة على العطاء هو نوع من الصدقة الباردة التي لا تجبر كسراً .
يختم الشاعر بـ ويش ينفع ؟ وهو تساؤل يحمل مرارة الحقيقة فالأشياء قيمتها في توقيتها لا في ذاتها فقط .
الدواء بعد الموت لا يحيي .
والاعتذار بعد قسوة القلب لا يشفي .
والدعم بعد تكسير الجناح لا يجعل الطائر يحلق من جديد .
علينا أن نعي حقيقة واحدة الإحسان الحقيقي هو ما جاء والنسر في قمة تحليقه والدعم الصادق هو الذي يمنع
الجناح من الانكسار لا الذي يبكي عليه بعد أن يسقط لا تكن من الذين لا يدرون إلا بعد فوات الأوان فالزمن لا
يعيد للنسور قدرتها على الطيران بمجرد الكلمات .