الغياب لم يكن فراغًا.
كان امتلاءً هادئًا… بما يكفي ليُغيّر كل شيء.الغياب لا يمر كما نظن.
هو لا يتركنا كما كنا، ولا يعيدنا كما خرجنا.
في الظاهر، يبدو الأمر بسيطًا: صمت، ابتعاد، وقت يمضي.
لكن في الداخل، يحدث شيء آخر تمامًا.
تتغير طريقة التفكير، تتبدل الأولويات، وتسقط أشياء كنا نظنها ثابتة.
لم أغب لأنني لا أملك ما أقول،
بل لأنني كنت أتعلم كيف أقول ما لا يُقال.
الغياب ليس هروبًا دائمًا،
أحيانًا هو مواجهة مؤجلة مع الذات.
مواجهة بلا أصوات، بلا مبررات، بلا محاولة لإقناع أحد.
في ذلك الصمت الطويل سقطت أشياء كثيرة:
أفكار كنت أظنها حقائق،
وجوه كانت تبدو واضحة،
وأصوات كنت أعتقد أنها تستحق الإصغاء.
وفي هذه المساحة الصامتة، تتضح أمور كثيرة:
من يستحق البقاء،
ما الذي يجب أن يُقال،
وما الذي لم يعد يستحق أي محاولة.
الغياب لا يُضعف الإنسان…
بل يكشفه.
يكشف ما يمكن احتماله،
وما يجب التخلي عنه،
وما لم يعد يستحق حتى التفكير.
العودة بعد الغياب ليست استمرارًا لما كان،
بل بداية مختلفة تمامًا.
بداية أقل ضجيجًا، وأكثر وضوحًا.
ليس لأن العالم تغيّر،
بل لأن النظرة إليه تغيّرت.
ولهذا، لا يعود الإنسان ليكمل من حيث توقف،
بل ليبدأ من حيث فهم.
عدت اليوم،
لا لأكمل ما بدأت،
بل لأبدأ من مكانٍ لم أصل إليه من قبل.
عدت وأنا أعرف أن الكلام ليس كثرة،
بل دقة.
وأن الصمت ليس ضعفًا،
بل اختيار حين يفقد الكلام قيمته.
لن أكون كما كنت،
لأنني لم أعد أرى الأشياء كما كنت أراها.
وهذا وحده…
كافٍ ليكون بداية مختلفة تمامًا.
"سارة عبد الحكيم "