يحكى أن آخر ملوك بني عباد في الأندلس،المعتمد بن عباد اللخمي اليماني،يوم نفاه يوسف بن تاشفين من إشبيلية إلى أقصى المغرب،يحكى أن بن عباد حمل معه من كل ملكه حجرآ من تراب مملكته إشبيلية،وطفق يضمه بكفيه مخبئآ أياه في جيبه،وكلما اشتاق لإشبيلية وهو في منفاه أخرجه يقبله ويشتم رائحته مستذكرآ عزه وسؤدده وملكه.
ولكم يتشابه الأمس مع اليوم في واقع ممالكنا التي ترفل في حمى الغرباء والدخلاء،وعلى أن المعتمد كان عربياً مسلمآ،ومن نفاه كان عربيا مسلمآ،وما نفاه وأسقط ملكه إلا لفساده وتفريطه في إستنجاده بالقشتالي على بني جلدته وملته،وكم من مستنجدآ في حاضرنا،والذي لا يختلف كثيرا عن ماضينا.
وكان ذلك العصر من الزمان يسمى بعصر ملوك الطوائف،وهو عصر الضعف الذي أسس لعصر السقوط،وخروج العرب من شبه الجزيرة الإيبيرية،وما كان للأندلس أن تسقط لولا تخاذل ملوك طوائفها وإرتهانهم لإملاءات ملوك قشتالة الصاعدين لأسترداد ممالك الأندلس،وبل أن ملوك الطوائف العرب كانوا في آخر عهدهم يدفعون الجزية للقشتالي لقاء حمايتهم،والإبقاء على ممالكهم.
وما تفريط الأمس ببعيد عن تفريط اليوم،ولعل خمسة ترليون ونصف الترليون تفسر الفارق المادي والمعنوي بين جزية اليوم وجزية الأمس،وهو الرقم الذي يعادل خمسة آلاف وخمسمائة مليار،وكذلك كان يفرض القشتالي على بن عباد وأقرانه ملوك الطوائف،وكانت تحمل مئات الصناديق المخزنة بآلاف الدراهم الذهبية لفرناندو والفونسو.
بيد أن المعتمد بن عباد وبعد أن أهدر المال العام لصالح الأعداء،أكمل فصل تفريطه بإستنجاده بالقشتالي على بن تاشفين وجيشه المرابطين،ولكن بن تاشفين داهمه وأطبق عليه الحصار،وبعد أيام من الحصار على إشبيلية أعلن بن عباد قبوله بالخروج من الأندلس،وخرج من الأندلس في مشهدآ مهيب من أهل إشبيلية،وهو لا يملك منها إلا حجرآ.
وما بين حجر المعتمد وأحجار من لم يحملوا الحجر،يقف التاريخ مواربا بابه،وما يلبثوا أن يخرجوا المعتمد تلو المعتمد،والحجر تلو الحجر،وإن كان لا يقاس فعل المعتمد أمامهم،والمعتمد فعلها مرة واحدة،وبل لا عدالة بين الفعل لمرة واحدة أمام الفعل الآبد المقيم.
غير أن المعتمد كان فارسا لا يشق له غبار،وكان مقاتلا من طراز المحاربين الأشداء،وخلد مأثرة ذكرتها كتب التاريخ والأخبار في موقعة الزلاقة أمام الفونسو والقشتاليين،وحتى أن بن تاشفين شكر له صنيعه وما أبلاه في القتال،ولولا إستئثاره بالسلطان لما استعان بالعدو،ولكن شقوة سلطانه غلبته وأعمت بصيرته وخلفته منفيآ وحيدآ يكابد أساه ويحدث حجره.
ومع كل ذلك قد لا تكفي مقولة ما أشبه الليلة بالبارحة،وقد لا يكفي المعتمد والحجر الذي أخرجه معه إلى منفاه أمام المعتمد وأقرانه الذين يقفون في المكان الخطأ من مسار التاريخ،وما أشبه الواقفين في المكان الصحيح من مسار التاريخ من بن تاشفين،وهم يكتبون فصلآ جديدآ لمحو عار المعتمد بالأمس،ولمحو عار المعتمد اليوم.!