آخر تحديث :الجمعة-03 أبريل 2026-10:31م

الشفافية… الطريق إلى استعادة الثقة وبناء الدولة

الجمعة - 03 أبريل 2026 - الساعة 01:17 م
د محمد علي مارم

بقلم: د محمد علي مارم
- ارشيف الكاتب


لم يعد خافياً أن حالة الغضب والاضطراب المستمرة التي يعيشها المجتمع، وما يتبعها من موجات احتجاج وثورات، تعود في جوهرها إلى غياب الشفافية والمساءلة في دولة يُفترض أن يحكمها القانون. فحين تغيب الحقيقة، ويُحجب الوضوح، يتولد في قلب المواطن شعور عميق بالإحباط، يتحول مع الزمن إلى بركان من السخط والرغبة في تغيير الواقع بأي وسيلة.


إن انعدام الشفافية لا يخلق فقط فجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة، بل يفتح الباب أمام الفساد، ويحوّل المناصب العامة من تكليف وطني وأخلاقي إلى مغنم شخصي. وفي ظل هذا الواقع، يصبح المواطن شاهداً على تدهور أوضاعه المعيشية، بينما يرى من يتولون المسؤولية ينتقلون سريعاً إلى حال أفضل، الأمر الذي يعمّق الشعور بالظلم ويفقد الدولة هيبتها ومعناها.


من هنا، فإن فتح ملف الشفافية لم يعد خياراً، بل ضرورة وطنية ملحّة. فالشفافية كفيلة بإخماد نار الغضب في نفوس المواطنين، وإعادة بناء الثقة بين الحاكم والمحكوم. ولن يتحقق ذلك إلا إذا بدأت الشفافية من أعلى هرم السلطة، لتكون نموذجاً يُحتذى به في جميع مؤسسات الدولة.


ولعل من المناسب اتخاذ الفترة منذ 17 مارس 2015م، وهي مرحلة ما يُعرف بالحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، كنقطة انطلاق لقياس مستوى الشفافية والمساءلة، وذلك عبر مراجعة شاملة لأداء مؤسسات الدولة، وعلى رأسها:

• رئاسة الجمهورية: من خلال الكشف عن حجم الإنفاق الذي تم عبرها، سواء من البنك المركزي أو من الدعم الخارجي، باعتبار أن هذه الموارد تخص مؤسسة سيادية، لا أفراداً.

• رئاسة مجلس الوزراء: عبر حصر النفقات التي تم صرفها، سواء بطرق قانونية أو غير ذلك، من موارد الدولة أو المنح، مع توضيح أوجه الصرف في مختلف القطاعات.

• وزارة التخطيط والتعاون الدولي: من خلال مراجعة كافة الأموال التي أُديرت عبرها، سواء من الموازنة العامة أو من المنح والمساعدات الدولية، وكيفية توظيفها.

• وزارة الخارجية: عبر استعراض الإنفاق خلال فترات الوزراء المتعاقبين، بما في ذلك الموارد التي لا تمر عبر وزارة المالية، كنفقات السفارات والبعثات.

• أراضي الدولة والعقارات: وهو ملف بالغ الحساسية، يتطلب شفافية كاملة حول التصرف بالأراضي، خاصة في ظل قرارات سابقة بمنع بيعها، ومع ذلك شهدت تلك الفترة تجاوزات واسعة.

• وزارة النفط: من خلال توضيح كميات الإنتاج والتصدير من النفط والغاز، ومسارات الإيرادات الناتجة عنها، داخلياً وخارجياً.

• الصناديق الحكومية: بكافة أنواعها، لمعرفة مصادر دخلها وأوجه إنفاقها، ومدى التزامها بالقوانين المنظمة.

• البنك المركزي: عبر كشف سياسات بيع العملة الأجنبية، وأسعار الصرف، وحجم السيولة المطبوعة والموزعة، وأسباب التفاوت بين البنوك، وتأثير ذلك على التضخم وفقدان السيطرة النقدية.

• السلطات المحلية والمحافظون: من خلال مراجعة الموارد التي تم التصرف بها على المستوى المحلي، وحدود الصلاحيات الممنوحة، ومدى الالتزام بها، خاصة في المحافظات ذات الموارد الكبيرة.


إن تطبيق الشفافية على هذا النحو لا يهدف إلى الانتقام أو تصفية الحسابات، بل إلى ترسيخ مبدأ المسؤولية، وإعادة الاعتبار لفكرة أن المنصب العام هو أمانة أمام الله والوطن والمواطن. كما أنه يضع الأساس لدولة حديثة تُدار بالكفاءة والنزاهة، لا بالمصالح الضيقة.


ختاماً، فإن اللحظة الراهنة تفرض على الجهات المختصة في الدولة أن تتحمل مسؤولياتها التاريخية، وأن تبادر بخطوات عملية لتخفيف حدة الغضب المتصاعد في نفوس المواطنين. وذلك من خلال إصدار قرارات واضحة بتشكيل لجان متخصصة ومستقلة لكل مؤسسة من مؤسسات الدولة، تتولى مراجعة تلك المرحلة بكل شفافية وحياد، وإعادة تفعيل أجهزة الرقابة السابقة داخل هذه المؤسسات، بما يضمن حماية المال العام وصون مقدرات الوطن.


إن هذه الخطوات ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة لاستعادة الثقة، ولبناء جدار من الشفافية يحول دون تكرار التجاوزات. فحين يشعر المواطن بأن هناك جدية في المحاسبة، ووضوحاً في إدارة الموارد، تبدأ نيران الغضب في الخمود، وتتراجع حالة الاحتقان في الشارع، ليحل محلها شعور بالأمان والاستقرار.


وبذلك، لا تكون الشفافية مجرد مطلب، بل تتحول إلى ركيزة أساسية لاستقرار البلاد، ومدخلاً حقيقياً نحو مستقبل أكثر عدلاً وازدهاراً.

د محمد علي مارم

٣ مارس ٢٠٢٦