من الطبيعي أن تُطرح، في أوقات الأزمات الكبرى مثل التي نمر بها الآن، أفكار جديدة أو يُعاد إحياء أفكار قديمة. أكثر ما يتردد هذه الأيام هو الدعوة إلى تشكيل قوة للأمن القومي العربي.
لكن أفضل ما يمكن أن يفعله المسوقون لهذه الفكرة هو التوقف عن تسويقها. فهي، في حقيقتها، فكرة غير قابلة للحياة، لا نظرياً ولا عملياً. ولهذا لم تتبنَّها الدول الخليجية رغم تعرضها لاعتداءات إيرانية مباشرة. المشكلة أن المطالبين بها يحمّلون المنظومة العربية ما لا تستطيع تحمله، وما لم يُطلب منها. جامعة الدول العربية مفيدة لحشد المواقف السياسية واكتساب الشرعية، لا لبناء استراتيجيات عسكرية أو إدارة حروب وتشكيل جيوش.
لكن لماذا تبدو فكرة الأمن القومي العربي غير قابلة للتطبيق؟
- السبب الأول هو غياب الاتفاق على العدو المشترك.
في الحرب العالمية الثانية، توحدت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفياتي ضد عدو واضح هو النازية. وبعدها تأسس حلف الناتو لمواجهة الاتحاد السوفياتي. أي أن التحالفات لا تقوم إلا على تعريف واضح ومشترك للتهديد. عربياً، هذا الشرط غير متوفر. في حرب تحرير الكويت انقسم العرب بين مؤيد ومعارض. واليوم، ورغم تعرض دول الخليج لأكبر اعتداء في تاريخها، لا يزال هناك من لا يرى إيران عدواً. فكيف يمكن بناء قوة مشتركة من دون اتفاق على من تُواجهه؟
- السبب الثاني هو هشاشة عدد من الدول العربية.
بعضها غارق في حروب أهلية، وبعضها يعاني من انقسامات داخلية أو اختراقات خارجية، وأخرى تعيش صراعات على الشرعية أو أزمات اقتصادية عميقة. التحالفات العسكرية لا تُبنى بالنظريات، بل بقوة الدول التي تشكّلها. وعند النظر إلى تجربة «الناتو» نجد أن سر نجاحه لا يكمن فقط في قوته العسكرية، بل في انسجام دوله سياسياً، واستنادها إلى قاعدة اقتصادية صلبة. إنفاق دول الحلف يتجاوز تريليون دولار سنوياً، وهو ما يمنحه قدرة مستدامة على الردع والتفوق على خصومه.
السبب الثالث هو العامل الشعبي.
- قامت حكومات هذه الدول من خلال خطابها السياسي وإعلامها بتجييش شعوبها وحقنتها بمزيج مركز من الشعارات الآيديولوجية ضد أميركا والغرب. وعندما تحين الأزمة تخشى هذه الحكومات ردة فعل الشارع. نرى في قطاعات واسعة من الشارع العربي تعاطفاً مع إيران فقط لأنها في مواجهة مع أميركا وإسرائيل ونرى تجاهلاً للأضرار التي تعرضت لها دول الخليج. أحياناً يحدث ذلك على عكس رغبة الحكومات التي تبدي تضامنها مع الدول الخليجية ولكنها لا تستطيع (أو لا تريد) تغيير ثقافة تشكلت لعقود. السؤال كيف يمكن تشكيل أمن قومي عربي إذا كانت الشعوب لا تعترف بالعدو المشترك الذي تحارب من أجله؟ بدل أن تهب هذه الحكومات لنجدة أشقائها العرب، ستجد نفسها في مواجهة شعوبها الغاضبة.
لهذه الأسباب وغيرها، تبقى أطروحة الأمن القومي العربي فكرة غير واقعية. ومسوقوها لا يفعلون أكثر من محاولة تجميل فكرة ميتة كمن يضع مساحيق على جثة ممددة.