آخر تحديث :الإثنين-27 أبريل 2026-04:01م

قاع البحر والسحابة… خيوط تحكم العالم

الخميس - 02 أبريل 2026 - الساعة 04:19 م
عبدالناصر صالح ثابت

بقلم: عبدالناصر صالح ثابت
- ارشيف الكاتب


في الوقت الذي يبدو فيه الإنترنت عالماً افتراضياً بلا حدود، تقف خلفه بنية تحتية مادية شديدة الحساسية تمتد عبر

أعماق البحار. هناك، تعمل الكابلات البحرية بصمت على نقل ما يقارب 95% من بيانات العالم، عبر شبكة تضم

أكثر من 600 كابل بطول يتجاوز 1.4 مليون كيلومتر، لتشكّل العمود الفقري الحقيقي للاقتصاد الرقمي العالمي.

تعتمد هذه الكابلات على تقنية الألياف الضوئية، حيث تنتقل البيانات على شكل نبضات ضوئية بسرعات هائلة

وزمن تأخير منخفض جداً مقارنة بالأقمار الصناعية. وقد تطورت هذه التقنية عبر مسار تاريخي طويل، بدأ بأول

كابل تلغرافي عبر الأطلسي عام 1858، مروراً بأول كابل هاتفي عام 1956، وصولاً إلى كابلات الألياف

الضوئية الحديثة منذ عام 1988، التي شكلت نقطة التحول الكبرى في عالم الاتصالات.

اليوم، لم تعد الكابلات البحرية مجرد مشاريع اتصالات تقليدية، بل أصبحت ساحة تنافس بين كبرى الشركات

العالمية. تتصدر شركات التكنولوجيا مثل Google وMeta وMicrosoft وAmazon  جهود تمويل وبناء هذه

الكابلات لربط مراكز البيانات وتشغيل الخدمات السحابية. في المقابل، تواصل شركات الاتصالات مثل

Vodafone وOrange وEtisalat   الشبكات وإدارة نقاط الإنزال داخل الدول. أما التنفيذ التقني فيقع بيد عدد

محدود من الشركات المتخصصة، مما يجعل هذا القطاع شبه محتكر عالمياً.

ورغم هذا التطور، تبقى الكابلات البحرية عرضة للمخاطر. فوفق لتقديرات قطاع الاتصالات، يتراوح عدد

الأعطال السنوية بين 150 و200 عطل، ينجم أكثر من 60% منها عن الأنشطة البشرية مثل مراسي السفن

والصيد، إضافة إلى الكوارث الطبيعية والتوترات الجيوسياسية. وقد أظهرت الأحداث الأخيرة في مناطق مثل البحر

الأحمر مدى هشاشة هذه الشبكة، حيث أدى قطع عدد محدود من الكابلات إلى تأثيرات واسعة على سرعة الإنترنت

وجودة الخدمات في عدة دول.

وتكمن المشكلة الأساسية في اعتماد العالم على مسارات محدودة لنقل البيانات، مما يخلق نقاط اختناق استراتيجية.

وتُعد مناطق مثل البحر الأحمر وقناة السويس من أهم هذه النقاط، حيث تمر عبرها نسبة كبيرة من حركة البيانات

بين آسيا وأوروبا، مما يجعل أي اضطراب فيها قادراً على إحداث تأثيرات متسلسلة تتجاوز الحدود الجغرافية.

وفي ظل التوترات الإقليمية، تتصاعد المخاوف من إمكانية استهداف البنية التحتية الرقمية في مناطق حساسة مثل

الخليج العربي، الذي يمثل ممراً مهماً للبيانات العالمية. ورغم وجود مسارات بديلة، إلا أن أي انقطاع واسع النطاق

قد يؤدي إلى تراجع كفاءة الشبكة وارتفاع زمن الاستجابة، مع انعكاسات محتملة على الخدمات السحابية والتجارة

الإلكترونية.

واستجابة لذلك، تتجه الدول والشركات إلى تعزيز مرونة هذه البنية عبر تنويع المسارات، والاستثمار في كابلات

جديدة، وتطوير أنظمة مراقبة وصيانة متقدمة، إلى جانب الاستفادة الجزئية من الأقمار الصناعية كحل داعم وليس

بديلاً كاملاً.

وفي المحصلة، لم تعد الكابلات البحرية مجرد بنية تحتية تقنية، بل أصبحت ركيزة أساسية في الأمن الاقتصادي

والرقمي العالمي. فالعالم الذي يبدو رقمياً بالكامل، لا يزال يعتمد على خيوط دقيقة في أعماق البحار، وأي خلل فيها

قد ينعكس فوراً على حياة مليارات البشر.