آخر تحديث :الثلاثاء-31 مارس 2026-01:20م

جيش إسرائيل وتحذيرات زامير العشرة

الثلاثاء - 31 مارس 2026 - الساعة 10:58 ص
د. حسن أبو طالب

بقلم: د. حسن أبو طالب
- ارشيف الكاتب


رفع علامة حمراء واحدة، يعني أن الأمر جلل، فما بال رفع عشر علامات حمراء؟ هذا ما قاله المسؤول الأول عن العمليات العسكرية للجيش الإسرائيلي في أكثر من جبهة - غالبيتها منفرداً - وأقواها وأكثرها شراسة في هذه الأيام، في سابقة تاريخية لم تحدث من قبل. وفقاً لمفاهيم العلاقات الدولية، تجسد أعلى درجات التحالف بين دولتين وجيشين، من حيث تحديد مصدر التهديد الرئيسي، وخطط مواجهته، والعمليات اليومية المتناسقة.

التحذيرات العشرة وفقاً لزامير، تتعلق بحاجة الجيش لسد النقص العددي، والمقدر وفقاً لتقديراته بخمسة عشر ألف جندي جديد، منهم 8 آلاف من المقاتلين، ما يتطلب وجود قانون لتجنيد «الحريديم»، وتعديل قانون الاحتياط، وتمديد الخدمة الإلزامية إلى 36 شهراً، معتبراً أن «جنود الاحتياط لن يصمدوا، وأرفع عشرة أعلام تحذيرية»، حسب قوله أمام «الكابينت» الإسرائيلي.

التحذيرات والمطالب في وقت الحرب؛ هل تُعدّ مقدمة للتنصل من نتائجها إذا جرت الأمور عكس ما هو مخطط لتحقيقه؟ أم أنها تجسد مطالب حيوية لتمكين الجيش من أداء مهمته التي يقررها ويفرضها المستوى السياسى، وليس للجيش أن يعترض أو يتملل؟ الأسئلة كثيرة، وربما نجد تفسيراً لتلك التحذيرات في تقرير نشرته «الشرق الأوسط» يوم السبت الماضي، عن التاريخ العسكري للرجل، وعقيدته التي فُوّض في تثبيتها بالجيش الإسرائيلي بعد أن تم تعيينه رئيساً لهيئة الأركان قبل عام.

يعتقد زامير أن الجيش يجب أن يكون كبيراً قادراً على الحرب البرية والقتال على الأرض والحروب طويلة الزمن، وأن تمهد الهجمات الجوية السيطرة على أرض الطرف العدو، والقيام بحروب استباقية ضد مصادر التهديد بالقوة الغاشمة قبل أن تتحول إلى خطر أكبر. الأمر على هذا النحو يتجاوز العقائد السابقة؛ أن يكون الجيش صغير العدد، ومسلحاً بأحدث التقنيات العسكرية الجوية والمعلومات الاستخبارية، واللجوء إلى الحرب البرية في أضيق الحدود.

فكرة الجيش الكبير وفقاً لعقيدة زامير، تتصادم مع العدد المحدود للإسرائيليين أنفسهم، وكثرة من يحملون جنسية مزدوجة، ومحدودية فترة استدعاء الاحتياط، وإعفاء قطاع من الإسرائيليين من خدمة الجيش، وتحديداً المتدينين، الذين يعتبرون أنفسهم مواطنين لهم ميزات خاصة؛ أبرزها أن على علمانيي الدولة تقديم الحماية لهم وتركهم يتمتعون بنمط حياتهم الديني الخاص جداً، استناداً إلى قناعة راسخة لديهم بأنهم أكثر قداسة وتعبيراً عن نقاء الدولة المرغوبة، ويجب ألا يقوموا بمثل أعمال العلمانيين على الرغم من كونهم يهوداً.

أزمة تجنيد أو إعفاء «الحريديم» لا تتعلق فقط بالائتلاف الحكومي الذي يقوده نتنياهو الأكثر حرصاً على استمراره في الهروب من تداعيات محاكمته المتعثرة، ولا بالتهديدات بإسقاط الائتلاف من قبل الأحزاب الدينية التي تدعم «الحريديم»؛ أبرزها «شاس» و«يهودت هتوراه»، إذا تم إقرار قانون وفقاً لحكم المحكمة الإسرائيلية العليا الملزم للحكومة بوقف تمويل المدارس الدينية التي ترفض تجنيد طلابها؛ بل تتعلق بهوية الدولة، وقدرتها على المساواة بين كل اليهود فيها، وهنا يبدو تجنيد «الحريديم» لدى بعض السياسيين خطوة ضرورية لإنهاء التمييز القائم، أياً كان الثمن الذى يمكن للمجتمع والمؤسسات أن تدفعه، لكن السؤال الجوهري هو: هل يمكن المخاطرة بإقرار قانون يفجر المجتمع وهو يعاني كثيراً من الفجوات المجتمعية، وسط حرب ضروس متعددة الجبهات وتفتقر إلى اليقين فيما يمكن أن تحققه وما لا يمكن أن تحققه؟

حين تم إعفاء «الحريديم» منذ عام 1948، كان عدد طلاب المدارس الذين تقرر إعفاؤهم أقل من 400 طالب، بينما الآن عدد هؤلاء يزيد على 15 ألف طالب ديني في سن التجنيد. «الحريديم» بوصفهم جماعة، يشكلون الآن 13 في المائة من عدد السكان، ويتوقع أن تصل نسبتهم إلى 25 في المائة في غضون أقل من عقدين، حال بقاء الدولة على ما هي عليه، من دون هجرات عكسية. ومن ثم، فإنَّ تمييز ما يقرب من ربع السكان من خدمة الجيش يُعدّ ضربة كبرى، لكن معالجتها تتطلب أيضاً مواجهة أكبر داخلياً، وهو الأمر الأكثر استحالة في ظل كم المغامرات العسكرية الخارجية، وتلك الداخلية التي يُطلب فيها من الجيش تكليف أكثر من 4 ألوية للعمل في الضفة الغربية لحماية أعمال العنف المتصاعدة ضد الفلسطينيين، التي يقوم بها المستوطنون المدعومون من الوزيرين بن غفير وسموتريتش. وهنا يتجلَّى التحذير بالانهيار الداخلي المتدرج للجيش؛ المؤسسة الأكثر فاعلية في بقاء الدولة.

المفارقة الكبرى أنَّ قادة «الليكود» الناقدين لتحذيرات رئيس الأركان، وبعضهم وصفه بالفاشل، أرسلوا رسالة للجيش بأنَّ قائدهم لا يستحق القيادة، ما أثار تساؤلات حول فاعلية اتخاذ القرار. ثمة قدر من التآكل الصامت يحدث في الجيش وفقاً لقادة سابقين، وهنا تتجلَّى مشكلة كبرى باتت تتكرر في تحليلات الإعلام العبرى، قوامها مَن الأجدر بالتضحية به؛ الدولة من أجل تحقيق مصالح فردية وجزئية؟ أم التضحية بالفاسدين الذين يورطون الدولة وجيشها في مغامرات غير محسوبة لصالح الدولة؟ لم يعد الأمر يتعلق بقدرة الجيش على مواجهة عوامل ضعفه؛ بل امتد إلى فضح مجمل النظام الإسرائيلي، وعوامل تآكله المتدرج. نتنياهو يراهن على أن النصر العسكري سيجعل الجميع يتجاهلون أزمةَ التجنيد، بينما يرى قادة الجيش أنَّ استمرار الحرب من دون هؤلاء الجنود الجدد «مقامرة» بمستقبل الجيش نفسه.

نقلأ عن الشرق الاوسط.