المحامي/جسار مكاوي .
لا يمكن بناء دولة مستقرة بعقلية الغنيمة أو بمنطق الانتماءات الضيقة.. الحكم مسؤولية مؤسسية تتطلب إعدادا مسبقا و تأهيلا سياسيا و إداريا.. خصوصًا في أوساط الشباب.. حتى تتشكل قيادات قادرة على حماية الدولة لا استنزافها..
الدول التي أرادت الاستقرار و الاستدامة لم تترك صناعة القيادة للصدفة.. بل أخذت بمبدأ إعداد و تأهيل القادة السياسيين عبر مراكز و معاهد متخصصة تعنى بصقل المهارات.. و تنمية الوعي السياسي..و تعزيز الفكر المؤسسي واختبار القدرات القيادية و الإدارية.. فإعداد القادة ليس شأنا نخبويا..بل ضرورة وطنية لحماية الدولة و استدامة مؤسساتها.. و منع تكرار دوائر الانهيار التي شهدناها لعقود.. وهو في جوهره عملية فرز بين من يمتلك مشروعا وطنيا ورؤية لإدارة الدولة.. و بين من يسعى إلى المنصب لمجرد الوجاهة أو المصلحة.
ومن هنا..فإن التفكير في بناء الدولة يجب أن ينطلق من منظومة مختلفة في الرؤية و التخطيط..تجعل من إعداد القادة ركيزة أساسية في مشروع الاستدامة المؤسسية.. و إذا كان هذا الأمر ضروريا على مستوى القيادة العليا فإنه لا يقل أهمية على مستوى المحليات و انتخابات المجالس النيابية و الشورى حيث أصبح من الواجب إعادة صياغة هذا الواقع بمنهج جديد يضع الكفاءة والتأهيل و الخبرة محل منطق التوازنات الضيقة و الانتماءات التقليدية..فالمجالس المحلية و النيابية ليست مجرد مقاعد تمثيل..بل مؤسسات لصناعة القرار.. والتشريع.. والرقابة.. وحماية مصالح المجتمع.. ومن ثمّ.. فإن الوصول إليها يجب أن يمر عبر مسار واضح من الإعداد السياسي و الإداري و القانوني.
لقد أثبتت التجارب أن الحزبية بصورتها الجامدة..كما الانتماءات القبلية والمناطقية.. لم تعد قادرة على إنتاج دولة حديثة.. بل أسهمت في إضعاف المؤسسات و تقديم الولاء على الكفاءة .
ولهذا.. فإن المرحلة تفرض الانتقال إلى مفهوم أرقى.. قوامه مدنية الدولة ومؤسساتها..بحيث يصبح الانتماء الأول للقانون.. و للنظام.. و للمواطنة.. و للكفاءة لا لأي اصطفافات ضيقة ..فاستدامة الأوطان لا تبدأ من الشعارات.. بل من الفكر الذي يصنع رجال الدولة.. ومن المؤسسات التي تضع الكفاءة فوق كل اعتبار .
.