على مدى أحد عشر عاماً عاشت اليمن واحدة من أقسى المآسي في تاريخها الحديث حيث تحولت أرضها إلى ساحة صراع مفتوح استنزفت فيه مقدراتها ونهبت ثرواتها ودمرت بنيتها التحتية واندثرت معالمها التاريخية تحت وقع القصف والحروب المتواصلة لقد كانت تلك السنوات ثقيلة على أبناء اليمن الذين دفعوا الثمن دماءً وألماً وتشريداً بينما كانت بعض دول الجوار تراقب المشهد من موقع المستفيد أو المشارك في رسم ملامحه مستمتعة بشكل أو بآخر بحرب أنهكت بلداً بأكمله.
لكن عجلة الزمن لا تتوقف والتاريخ لا ينسى وما يحدث اليوم يعكس حقيقة قديمة مفادها أن الدائرة تدور وأن من يزرع الريح قد يحصد العاصفة ها هي ذات الدول تجد نفسها اليوم في موقف بالغ التعقيد وكأنها وضعت بين مطرقة القوى الكبرى وسندان الصراعات الإقليمية بين ضغوط دولية متزايدة من جهة وتصاعد التوتر مع إيران من جهة أخرى وفي قلب هذا المشهد تبرز مطالب سياسية واقتصادية ثقيلة حيث يُطلب منها تمويل صراعات جديدة والمساهمة في كلفة مواجهات قد لا تكون في صالحها بل قد تعيد إنتاج ذات المآسي التي عاشها غيرها.
إن المفارقة المؤلمة تكمن في أن من شهد على معاناة اليمن وشارك بشكل مباشر أو غير مباشر في تعميق جراحها يجد نفسه اليوم يواجه ضغوطاً مشابهة وإن اختلفت التفاصيل وكأن القدر يعيد رسم المشهد ولكن بأدوار متبدلة ما يحدث اليوم ليس مجرد تحول سياسي عابر بل هو درس عميق في تقلبات المصالح وتبدل موازين القوى ورسالة واضحة بأن الحروب مهما بدت بعيدة فإن شظاياها لا بد أن تعود يوماً إلى محيطها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن إشعال الصراعات لا يصنع أمناً دائماً ولا يحقق استقراراً حقيقياً بل يفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها بسهولة واليوم تقف المنطقة بأسرها أمام اختبار جديد قد يعيد صياغة التحالفات ويكشف هشاشة الكثير من الحسابات السابقة.
وفي خضم كل ذلك يبقى الأمل معقوداً على أن تستفيد الشعوب والدول من دروس الماضي وأن تدرك أن الأمن الحقيقي لا يبنى على أنقاض الآخرين ولا على حساب دماء الأبرياء بل على التعاون والعدل واحترام سيادة الدول فالتاريخ لا يرحم والدائرة مهما طال دورانها لا بد أن تكتمل.