ليست تعز مدينة تختزل في حدود الجغرافيا بل هي حكاية وطن نابض، ووجدان أمة كلما اشتدت عليها العواصف، ازداد حضورها صلابة ووضوحا تعز التي تعلّمت من الألم معنى الكرامة، ومن الحصار معنى الصمود، تعود اليوم لتجدد صوتها العربي الأصيل، موقفا لا تزعزعه التحديات ولا تربكه تعقيدات المشهد.
في زمن تتداخل فيه المشاريع وتتصارع فيه المصالح، تقف تعز بوعيها الجمعي لتقول كلمتها الصريحة إن أمن المنطقة جز لا يتجزأ وإن استقرار بلاد الحرمين الشريفين والمملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي هو جزءٌ من استقرار اليمن، بل من استقرار الأمة بأسرها هذا الموقف ليس مجاملةً عابرة، بل تعبير صادق عن إدراك عميق لوحدة المصير ولخطورة المشاريع التي تقوم على بث الفرقة وإحياء الأحقاد.
لقد دفعت تعز ثمنا باهظا حين تسللت إليها الأفكار الضيقة والمشاريع التي لا ترى في الإنسان إلا وسيلةً للصراع ومن هنا، جاء وعيها أكثر نضجا وموقفها أكثر حزما فهي اليوم لا تتحدث من فراغ، بل من تجربةٍ قاسية جعلتها تدرك أن التماسك العربي ليس ترفا، بل ضرورة وجودية في وجه التحديات المتنامية.
وما نشهده من زخم شعبي ورسمي في تعز ليس إلا انعكاسا لهذا الوعي المتجذر فحين تخرج المدينة عن بكرة أبيها لتعلن تضامنها، فإنها لا ترفع شعارات جوفاء بل تعبّر عن إيمان راسخ بأن الوقوف مع الأشقاء هو وقوف مع الذات، وأن الدفاع عن استقرار المنطقة هو دفاع عن مستقبل الأجيال القادمة.
إن تعز وهي تجدد هذا الموقف تبعث برسالة تتجاوز حدودها الجغرافية أن العروبة ليست مجرد انتماء، بل مسؤولية وأن وحدة الصف قادرة على كسر كل مشاريع التمزيق، مهما بلغت قوتها كما أنها تفتح نافذة أملٍ لشعبٍ أنهكته الصراعات، بأن الغد يمكن أن يكون أفضل إذا ما توحدت الإرادات وتلاقت الرؤى.
وفي النهاية ستبقى تعز كما عهدها التاريخ مدينة لا تنحني، وصوتا لا يخفت ومنارة تضيء درب الأحرار تعز اليوم لا تدافع عن موقف فحسب، بل تكتب فصلًا جديدا في سجل العروبة، عنوانه الوعي، ومضمونه الصمود وغايتُه مستقبل أكثر أمنا وعدلًا لكل أبناء هذه الأمة.
محمد العنبري