في علم الجغرافيا تبعد مأرب عن عدن وبقية المحافظات الجنوبية بضع مئات من الكيلومترات وهي مسافة
تقطعها القاطرات في ساعات لكن في علم الأزمات المفتعلة يبدو أن المسافة استطالت بقدرة قادر لتمر عبر
مضيق هرمز في إيران مما ادى الى عدم قدرة القاطرات على المرور .
بالطبع نحن نعلم أن مأرب ليست في طهران وأن قاطرات الغاز لا تحتاج لتأشيرة عبور دولية لتصل إلى بيوتنا
لكننا نلجأ لهذا الطرح الساخر لنواجه عبثية المشهد فأن تنقطع مادة أساسية والمنتج محلي والطريق مفتوح فهذا
يعني أننا أمام مضيق من نوع آخر مضيق الجشع والفساد والمكايدات السياسية التي تخنق المواطن بدم بارد .
بعيداً عن خيالات السخرية الواقع يفرض علينا حقائق مرّة تثبت أن الأزمة ليست ناتجة عن "دقوة قاهرة بل هي
فعل فاعل .
ثقب الأسود يبتلع الحصص أين تذهب الحصص المخصصة للمحافظات ؟ الإجابة تجدها في السوق السوداء
التي لا تنضب أبداً حيث تُباع الأسطوانة بأسعار خيالية بينما تظل المحطات الرسمية خارج الخدمة مع ان اغلب
المحطات تتقلب حسب السوق عند الوفرة رسمية وعند الانقطاع سوداء كسواد الليل .
سياسة التجويع والتركيع تحويل الخدمات الأساسية إلى ورقة ضغط سياسي هو قمة الإفلاس الأخلاقي إن افتعال
الأزمات في عدن والمحافظات المجاورة صار أداة متكررة لإنهاك الحاضنة الشعبية وإشغالها بـ دبة الغاز عن
تطلعاتها الكبرى .
غياب القبضة الرقابية عندما تترك الجهات المعنية الهوامير يعبثون بخطوط الإمداد والتوزيع دون رادع فهي
شريكة في هذه الجريمة سواء بالصمت أو بالتواطؤ .
إن لجوء الشارع للسخرية وربط أزماته بمضايق دولية بعيدة ليس ترفاً بل هو صرخة احتجاج ضد تبريرات
المسؤولين التي لم تعد تقنع طفلاً إن القول بأن الغاز مفقود هو استخفاف بالعقول والحقيقة هي أن الغاز موجود
لكنه مرتهن لمن يدفع أكثر خصوصا بعد ان كان تم رفع سعره و تم ايقاف الرفع من قبل مجلس الرئاسة هذا
الايقاف الذي لم يرضي مدير شركة الغاز مارب أو لمن يريد استثمار معاناة الناس لأهداف غير معلنة .
قاطراتنا لم تذهب إلى هرمز بل ذهبت إلى جيوب المستفيدين ومخازن المتاجرين بالأزمات وعلى من بيده
القرار أن يدرك أن أدخان المطابخ المنقطع قد يتحول إلى دخان غضب لا ينطفئ فالجوع لا يعرف الجغرافيا
والصبر له حدود لا تتسع لمزيد من الاستهتار .