آخر تحديث :السبت-28 مارس 2026-02:08م

آخر قلاع الوطن بين الثبات والعاصفة

السبت - 28 مارس 2026 - الساعة 07:28 ص
عبدالجبار سلمان

بقلم: عبدالجبار سلمان
- ارشيف الكاتب


في تاريخ الأمم لحظات مفصلية لا تُقاس بالأحداث وحدها، بل تُقاس بالرجال الذين يقفون في وجه الانهيار، أولئك الذين يتحولون إلى خطوط دفاع أخيرة حين تتهاوى المؤسسات وتضيع البوصلة. وفي السياق اليمني المضطرب، يبرز اسم محمود الصبيحي كأحد أبرز هذه النماذج، رجل لم يكن مجرد مسؤول في الدولة، بل تحوّل إلى رمز لفكرة الصمود الوطني في زمن التمزق. منذ بداياته العسكرية، لم يكن الصبيحي قائداً عادياً. فقد تشكلت شخصيته في بيئة عسكرية احترافية، وتدرّج في المناصب بثبات، حاملاً معه رؤية تتجاوز التكتيك العسكري إلى فهم عميق لطبيعة الدولة اليمنية وتعقيداتها الاجتماعية والسياسية. كان يدرك أن الجيش ليس مجرد أداة قتال، بل هو العمود الفقري للدولة، وأن انهياره يعني انهيار كل شيء. لكن التحول الحقيقي في مسيرته جاء مع ثورة 2011، حين اختار موقعه بوضوح إلى جانب الشعب. لم يكن ذلك القرار سهلاً في بيئة تتشابك فيها الولاءات، لكنه كان قرار رجل دولة يدرك أن التاريخ لا يرحم المترددين. انحيازه لم يكن مجرد موقف سياسي، بل كان إعلاناً عن رؤية مختلفة لدور المؤسسة العسكرية، رؤية تجعلها في خدمة الوطن لا في خدمة السلطة. ومع توليه وزارة الدفاع في مرحلة انتقالية بالغة التعقيد، وجد نفسه في قلب عاصفة سياسية وأمنية غير مسبوقة. كانت الدولة تتآكل من الداخل، فيما كانت ميليشيا الحوثي تتقدم بخطى ثابتة نحو السيطرة. في تلك اللحظة، لم يكتف الصبيحي بإدارة الأزمة، بل حاول استباقها، محذراً من مشروع انقلابي يتخفى خلف شعارات الشراكة. لكن، هل كانت الدولة مستعدة للاستماع ؟ وهل كان هناك قرار حقيقي بمواجهة الخطر، أم أن الحسابات الضيقة كانت أقوى من منطق الدولة ؟ جاءت أحداث 21 سبتمبر 2014 لتجيب على هذه التساؤلات، حين سقطت صنعاء بيد الميليشيا. ومع ذلك، لم يسقط الصبيحي. ظل متمسكاً بشرعية الدولة، رافضاً الانخراط في أي تسوية تنتقص من سيادتها. وهنا بدأ يتحول من مجرد مسؤول إلى رمز مقاومة. في عدن، كتب فصلاً استثنائياً من فصول الصمود. لم يغادر، لم يساوم، ولم يبحث عن مخرج آمن، بل اختار المواجهة. قاتل في ظروف شبه مستحيلة، في وقت كان فيه كثيرون يبحثون عن النجاة الفردية. وعندما أُسر في 2015، لم يكن ذلك نهاية دوره، بل بداية مرحلة جديدة من الصمود. ثماني سنوات في الأسر كانت كفيلة بكسر أي إنسان، لكنها لم تكسر الصبيحي. ظل ثابتاً، رافضاً التنازل، محافظاً على صورته كقائد لم يُهزم حتى وهو في قبضة خصومه. وعندما خرج في 2023، لم يكن مجرد أسير محرر، بل كان عائداً برصيد رمزي هائل، يعكس قوة الإرادة وصلابة الموقف. ثم جاء تعيينه في مجلس القيادة الرئاسي في 2026، ليعيد طرح الأسئلة الكبرى من جديد، ولكن هذه المرة في سياق مختلف. في ظل تاريخ طويل من إقصاء القيادات الصلبة داخل الشرعية اليمنية، يبرز تساؤل مشروع هل سيبقى الصبيحي في موقعه، أم سيواجه نفس المصير الذي واجهه كثير من القادة الذين تم إبعادهم لأنهم تمسكوا بخيار الحسم واستعادة الدولة ؟ في بيئة سياسية معقدة، كثيراً ما يُنظر إلى الشخصيات المستقلة والقوية باعتبارها غير قابلة للتطويع. فهل يمكن أن يكون تمسك الصبيحي بثوابته سبباً في إبعاده بدلاً من أن يكون مصدر قوة للدولة ؟ أم أن المرحلة تغيرت فعلاً ؟ وهل يمكن أن نشهد تحولاً حقيقياً داخل مؤسسات الشرعية، بحيث يتم الحفاظ على القيادات الوطنية بدلاً من استنزافها ؟ وفي مقابل هذه التساؤلات، يطرح سؤال آخر أكثر حساسية هل يمكن أن ينقلب الصبيحي على الشرعية ويصبح معارضاً لها ؟ الإجابة هنا ليست سهلة، لكنها يمكن استقراءها من مسيرته. فالرجل، عبر تاريخه الطويل، لم يكن يوماً جزءاً من مشروع شخصي أو فئوي. لم ينقلب على الدولة حين ضعفت، ولم يساوم حين أُسر، ولم يبحث عن دور خارج الإطار الوطني. كل مواقفه تشير إلى أنه أقرب إلى فكرة الدولة من أي كيان سياسي عابر. لكن، في المقابل، هل يمكن أن يستمر في دعم شرعية إذا انحرفت عن هدفها الأساسي ؟ وهل يمكن لرجل بهذه الصلابة أن يقف صامتاً إذا رأى أن مسار استعادة الدولة يتم تمييعه أو تعطيله ؟ ربما السؤال الأدق ليس هل سينقلب؟ بل إلى أي مدى يمكن أن يصبر ؟ إن تجربة اليمن خلال السنوات الماضية أظهرت أن التحدي لا يكمن فقط في مواجهة الانقلاب، بل أيضاً في إدارة معسكر الشرعية نفسه. فالتناقضات الداخلية، وتضارب المصالح، وضعف القرار المركزي، كلها عوامل جعلت من مهمة استعادة الدولة أكثر تعقيداً. وفي هذا السياق، يمثل الصبيحي حالة مختلفة؛ فهو ليس مجرد جزء من المنظومة، بل اختبار حقيقي لها. هل ستحتضن هذه المنظومة رجلاً مثله ؟ أم ستكرر نمطها التقليدي في إقصاء الشخصيات القوية ؟ في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالرجال الذين يثبتون في اللحظات الصعبة. ومهما كانت الإجابات على هذه التساؤلات، فإن سيرة محمود الصبيحي ستظل شاهداً على أن اليمن، رغم كل ما مر به، لا يزال قادراً على إنجاب رجال يشبهون فكرة الوطن. فهل يكون الصبيحي فعلاً أحد آخر قلاع الوطن التي ستصمد حتى النهاية ؟ أم أن رياح السياسة ستجرفه كما جرفت غيره ؟ ذلك سؤال مفتوح، وإجابته لن يكتبها فرد، بل سيكتبها مسار وطن بأكمله.