آخر تحديث :السبت-28 مارس 2026-02:08م

أبين.. مليارات تُهدر وخدمات غائبة: واقع محافظة على حافة الانهيار

السبت - 28 مارس 2026 - الساعة 01:58 ص
حلمي عقيل

بقلم: حلمي عقيل
- ارشيف الكاتب



كتب/ حلمي عقيل


تُقدّم محافظة أبين صورة قاتمة عن واقع إداري وخدمي مأزوم، حيث تتدفق الأموال العامة في مسارات غير واضحة، بينما تبقى الخدمات الأساسية في حالة شبه شلل، في مشهد يعكس اختلالاً عميقاً في منظومة الإدارة المحلية وتفشي الفساد بمستوياته المختلفة.


في القطاع الصحي، يبرز مثال هيئة مستشفى الرازي، أكبر مستشفيات المحافظة، التي تفتقر إلى قسم الغسيل الكلوي، رغم توفر هذه الخدمة في مستشفيات تقع في مديريات ريفية ونائية، وهو ما يعكس خللاً واض

حاً في توزيع الخدمات الصحية، وابتعادها عن المعايير المهنية والاحتياجات الفعلية للسكان.


ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تشير الوقائع إلى تعيين شخص غير مؤهل على رأس مكتب الصحة في إحدى المديريات، دون امتلاكه حتى شهادة من معهد صحي، في خطوة أثارت استياء واسعاً واعتُبرت انتقاصاً من حقوق الكوادر الطبية المؤهلة.


أما في الجانب الإداري، فتبدو الفوضى أكثر وضوحاً، حيث تم نقل مقر مصلحة الجوازات إلى مديرية ريفية بعيدة عن مركز المحافظة في زنجبار، في وقت تتكدس فيه المشاريع الخدمية والترفيهية في المناطق الريفية، بما في ذلك إنشاء سبعة ملاعب رياضية معشبة، مقابل استمرار ملاعب العاصمة ومناطق الدلتا بحالة بدائية دون تأهيل.


وف

ي القطاع الصناعي، يبرز مصنع الوحدة للأسمنت كأحد أكبر المنشآت في أبين، لكنه لا يقدم أي أثر خدمي ملموس للمناطق المحيطة به، رغم موقعه الاستراتيجي وأهميته الاقتصادية.


وتشير المعطيات إلى استمرار بعض مدراء العموم في مواقعهم رغم تعاقب ثلاثة محافظين، مع غياب شبه كامل للعمل الميداني، إضافة إلى بقاء بعض المسؤولين في مناصبهم رغم بلوغهم سن التقاعد، في حين يواصل آخرون تحقيق مكاسب شخصية امتدت لسنوات دون مساءلة.


كما تكشف التقارير عن وجود لوبيات فساد تعمل على تعطيل أي استثمار جاد، وإفشال محاولات تحسين الواقع الاقتصادي، وسط بيئة طاردة للمستثمرين.


وفي الجانب الأمني، تظهر تناقضات لافتة، إذ تُعلن بعض القيادات رفضها للجبايات غير القانونية، بينما تشير الوقائع إلى استمرار هذه الممارسات، بل وحصول بعض المتنفذين على النصيب الأكبر منها.


ويُعد منصب مدير صندوق النظافة من أبرز المناصب التي تشهد تنافساً حاداً، نظراً لم

ا يُقال عن قدرته على تحقيق مكاسب مالية كبيرة خلال فترة قصيرة، في ظل غياب الرقابة الفاعلة.


كما يتكرر الحضور الإعلامي المكثف في الفعاليات الرسمية بشكل لافت، في مشهد يوحي بأن التركيز بات منصباً على الظهور الإعلامي أكثر من معالجة القضايا الحقيقية.


ورغم اتساع مساحة المحافظة، تفتقر أبين إلى أبسط مقومات الطوارئ، حيث لا توجد سيارة إطفاء واحدة لمواجهة الحرائق، في وقت يشهد فيه القطاع التعليمي افتتاح كليات جامعية خالية من الطلاب، واستمرار بعض القيادات التربوية في مواقعها رغم ضعف تأهيلها العلمي.


وفي مفارقة أخرى، تمت إحالة بعض المسؤولين إلى التحقيق بعد إقالتهم، ليتم لاحقاً إعادتهم إلى مناصب أعلى دون أي مساءلة حقيقية، ما يعزز حالة فقدان الثقة في منظومة الرقابة.


كما تم صرف مبالغ مالية كبيرة لتغذية أقسام داخلية غير موجودة في المؤسسات التعليمية، إلى جانب استثمار مليارات في مشاريع زراعية مثل قنوات الري وسد باتيس دون تحقيق نتائج ملموسة، بينما تستمر معاناة المزارعين.


وتضم أبين عدداً كبيراً من المراكز الإسلامية، لكنها تعاني من تباينات واضحة في النهج والإدارة، في حين تظهر حالات إداري

ة شاذة، مثل إدارة شخص واحد لعدة إدارات حكومية في إحدى المديريات.


وفي جانب آخر، تشير المعطيات إلى تعرض بعض كوادر مكافحة الإرهاب للتهميش، ما يفتح المجال أمام عودة عناصر مشبوهة، ويهدد الاستقرار الأمني في المحافظة.


كما تم تشكيل لجان لتقييم المرافق الإيرادية خارج الأطر القانونية، في مخالفة صريحة للقوانين المالية، إلى جانب تنفيذ مشاريع إسكانية بمليارات الريالات دون توفير بنية تحتية أساسية مثل الصرف الصحي، وعلى أراضٍ سبق توزيعها لمواطنين.


وفي القطاع الصحي، تم استبعاد كوادر ذات خبرة واستبدالها بعناصر توصف بعدم الكفاءة، مع استمرار بعض مدراء المكاتب الصحية المتهمين بالفساد في مواقعهم، في ظل غياب معايير واضحة للمحاسبة.


كل هذه المؤشرات ترسم صورة محافظة تعاني من اختلالات عميقة في الإدارة والخدمات، وتطرح تساؤلات جدية حول مستقبل أبين، وقدرتها على الخروج من هذا الواقع المعقد.


أبين… إلى أين؟