آخر تحديث :الجمعة-27 مارس 2026-10:30م

الرياض كما رأيناها…

الجمعة - 27 مارس 2026 - الساعة 01:15 م
احمد عقيل باراس

بقلم: احمد عقيل باراس
- ارشيف الكاتب


خمسة عشر يوماً مرت علينا منذ وصولنا، بفضل الله، إلى عاصمة القرار العربي الرياض، وبالتحديد منذ يوم السبت الموافق 14 مارس 2026م. ومع ذلك، وحتى ما قبل هذه الكلمات، لم نكتب عن انطباعاتنا شيئاً، ولا عما شاهدناه ووجدناه هناك، لا لشيء، وإنما لنكون أكثر إنصافاً، وأبعد عن ردات الفعل الناتجة عن انبهاراتنا وانطباعاتنا اللحظية بما شاهدناه ولمسناه حال وصولنا إلى هذا البلد المبارك.

فكل شيء فيها أبهرنا، سواء على المستوى الشخصي من التعامل الطيب والاهتمام الذي حظينا به، ابتداءً من لحظة وصولنا، مروراً باختيار مكان وموقع سكننا، وانتهاءً بالتعامل اليومي الراقي من قبل الموجودين في هذه المدينة، سواء من أبناء البلد نفسه أو من المقيمين فيه، أو كان ذلك على المستوى العام من مشاهداتنا لمستوى النهضة اللافتة للنظر، وللتنوع والتعايش الذي يسود بين جميع المتواجدين في هذا البلد بمختلف دياناتهم وأعراقهم وانتماءاتهم، وحتى اختلافاتهم.

حتى إنك عندما تدخل أرضها تشعر وكأن العالم كله يسكن فيها، وهذا الشيء بالتأكيد ما كان ليحدث لولا تقبل المجتمع المحلي السعودي وجود هؤلاء أولاً، وثانياً مرونة القوانين المنظمة لتواجدهم وتطورها المستمر وسريانها على الجميع، مواطنين ووافدين، وثالثاً، وهو الأهم، حفاظ المملكة العربية السعودية على مكانتها كقوة اقتصادية وتجارية عظيمة. كل ذلك جعل منها بيئة نموذجية لكل من كان يحلم بالمستقبل الجميل وبالعيش الكريم، فمن جعل وجهته المملكة إنما كان لشعوره بالأمان فيها، فهي تمثل فرصة حقيقية لمن يريدون تكوين أنفسهم أو يبحثون عن ذواتهم.

وقبل أن نسترسل في مشاهداتنا وتسجيل انطباعاتنا، وبعيداً عن التوسع في الكلمات والوصف، نقولها وباختصار شديد: لقد وجدنا في الرياض كل ما ذكره سعادة السفير محمد آل جابر، سفير المملكة العربية السعودية لدى بلادنا، حاضراً في تغريدته الشهيرة تعليقاً على بياننا الصادر في عدن، بشأن تأييدنا للحوار الجنوبي في الرياض، وحل المجلس الانتقالي، ودعوتنا فيه إلى نبذ العنف والفوضى. هذه التغريدة التي نعتز بها كثيراً، ونعدها شهادة تكريم من سفير عظيم لدولة عظيمة، راعية وسنداً صادقاً لنا، نعدها شهادة تفوق في مضمونها ومعناها أي تكريم، إذ تمثل في مجملها إنصافاً لكل محب لوطنه، وليس لنا وحدنا.

لقد وجدنا تغريدته حاضرة أمامنا بكل تفاصيلها، ولا زلنا نعيشها في كل لحظة، ما يجعلنا عاجزين عن شكره وشكر الطاقم الذي يعمل معه، والبلد الذي يمثله، والذي يمثل بالنسبة لنا ليس مصدر اطمئنان فحسب، وإنما شريان حياة، إن لم يكن الحياة نفسها. وهذا ليس بغريب على سفير نبيل، وبلد كريم، وشعب أصيل، وأرض مباركة.

وبالعودة إلى مشاهداتنا، فصحيح أنها المرة الأولى التي نحظى فيها بشرف زيارة هذا البلد، لكنه أبداً لم تكن تلك المشاهدات غريبة علينا، إذ كنا نعرفه ونعرف معظم مناطقه وأهم مدنه وأحيائه، ونعرف حكامه وقادته قبل أن نصل إليه. فقد عرفنا الرياض وجدة والمدينة والدمام وجيزان والطائف والقصيم، وعرفنا الكندرة والبطحاء والعليا وباب شريف والملز وغيرها من المناطق، ونعرف ملوكه وأولياء عهده وحكامه ومعظم أمرائه. ولم يكن وجودنا اليوم فيه سوى فرصة لتحقيق أحلام وأمنيات سابقة ظلت حبيسة جدران تفكيرنا لعشرات السنوات.

إذ لا يوجد منزل من منازلنا، ولا أسرة من أسرنا، إلا وتحتوي بداخلها مغترباً واحداً على الأقل، إن لم يكن أكثر، يعيش فيها. وبالرغم من الصورة العظيمة التي احتفظنا بها لهذا البلد وكبرنا عليها، فقد اكتشفنا الآن، وبعد مضي كل هذه السنوات، أن كل ما سمعناه وعرفناه عنه أقل بكثير مما وجدناه فيه على الواقع.

ومع ذلك، فإن هذا ليس وحده ما يشد الانتباه إليه في رياض الخير، فما يميزها ليس فقط كمية العمران والمدن المشيدة التي وجدناها فيها، ولا الجسور والبنية التحتية الهائلة التي أُنشئت أو ما زالت قيد الإنشاء، ولا كبر مساحتها، ولا سرعة تطورها، ولا الانضباط وحب العمل الذي وجدناه عند معظم السعوديين الذين التقيناهم أو قابلناهم، بل ما يثير الانتباه ويتميز به هذا البلد هو انفتاح المجتمع السعودي على الآخرين، وتقبلهم لتنوع ثقافاتهم واختلافاتهم، وعدم التمييز بين إنسان وآخر، ولا بين مواطني دولة وأخرى.

ما يميزها هو طيبة وسمو ورفعة أخلاق أهلها، لا تمايز ولا تمييز. وجدنا شعباً محباً لبلده، وحكومة تحب شعبها، وقيادة حكيمة أمينة تعرف ماذا تريد، تواجه التحديات الماثلة أمامها بهدوء وحزم، وتعمل بثبات للحفاظ على القمة، وللوصول إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

وبإذن الله، وفي ظل وجود هذه القيادة الحكيمة ومؤسسة الحكم القائمة، سيتحقق للمملكة العربية السعودية ما تصبو إليه، ويريده ويتمناه لها محبوها في معظم دول العالم قاطبة، من الذين يدينون لها ولقادتها ورجالاتها الميامين بالعرفان والجميل، ومنهم نحن، الذين نأتي في مقدمة هؤلاء المدينين لها بالجميل والعرفان لما قدمته وما زالت تقدمه من أجلنا.

ومهما تكلمنا فلن نوفيها حقها، فلولاها، بعد الله سبحانه وتعالى، لكنا اليوم نرزح تحت وطأة احتلال لن نخرج منه أبداً.