آخر تحديث :الخميس-26 مارس 2026-10:40م

محمود الصبيحي… سيرة وطن في رجل

الخميس - 26 مارس 2026 - الساعة 03:40 ص
اللواء الركن سعيد الحريري

بقلم: اللواء الركن سعيد الحريري
- ارشيف الكاتب





في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه المصالح، يبرز بعض الرجال كعلاماتٍ فارقة في تاريخ أوطانهم، رجالٌ لا تُقاس قيمتهم بالمناصب التي شغلوها، بل بالمواقف التي اتخذوها حين كانت الكلمة موقفًا، والثبات ثمنًا. ومن بين هؤلاء يبرز اسم محمود الصبيحي، الذي شكّل نموذجًا لرجل الدولة بمعناه الحقيقي.


لم يكن الصبيحي مجرد مسؤولٍ عابر في سجل الوظائف العامة، بل كان رجلًا حمل همّ الوطن في أدقّ مراحله. عُرف عنه انحيازه الصريح لمصلحة الدولة، وتمسّكه بالمؤسسات في وقتٍ كانت فيه كثير من التوازنات تميل لصالح الفوضى. وفي لحظاتٍ حرجة، حين اختار البعض طريق السلامة الشخصية، اختار هو طريق المواجهة، مدفوعً

ا بإيمانٍ عميق بأن الوطن لا يُحمى إلا برجالٍ يضعونه فوق كل اعتبار.


تميّز الصبيحي بشخصيةٍ صلبة، تجمع بين الحزم العسكري والرؤية السياسية. لم يكن اندفاعيًا ولا مترددًا، بل كان يزن خطواته بميزان المسؤولية، مدركًا أن كل قرارٍ قد ينعكس على مصير أمة بأكملها. وقد برزت هذه الصفات بوضوح خلال قيادته في أصعب الظروف، حيث ظل ثابتًا رغم الضغوط والتحديات.


ولا يمكن إغفال ذلك الموقف اللافت الذي صدر عنه في محافظة لحج أثناء مراسم التسليم والاستلام للمحافظ الجديد، حين وجّه انتقادًا صريحًا لعدم رفع علم الدولة اليمنية في مكتب المحافظة. لم يكن ذلك مجرد تعليق عابر، بل تعبيرًا صادقًا عن وعيٍ عميقٍ بقيمة الرموز الوطنية، وإدراكٍ بأن هيبة الدولة تبدأ من أبسط مظاهر حضورها. لقد أراد بهذا الموقف أن يرسّخ ف

كرة أن احترام الدولة لا يتجزأ، وأن التفريط في رموزها، مهما بدا بسيطًا، قد ينعكس سلبًا على صورتها في وجدان المواطنين.


ولعلّ أكثر ما يميّز رجل الدولة هو قدرته على الصمود حين تنهار المعايير، وعلى الحفاظ على مبادئه حين تتغيّر الولاءات. وهذا ما جسّده الصبيحي في مسيرته؛ إذ بقي وفيًا لقناعاته، غير منجرفٍ خلف حساباتٍ ضيقة أو مصالح آنية. لقد دفع ثمن مواقفه، لكنه كسب احترام من يعرفون قيمة الثبات في زمن التقلّبات.


إن الحديث عن محمود الصبيحي ليس مجرد استذكار لشخصيةٍ عسكرية أو سياسية، بل هو استدعاء لقيمٍ باتت نادرة: الشجاعة، النزاهة، والانتماء الصادق. وفي زمنٍ عزّ فيه الرجال، تبقى مثل هذه النماذج مصدر إلهام، تذكّرنا بأن الأوطان لا تُبنى إلا بسواعد المخلصين، ولا تُصان إلا بمواقف الرجال.