آخر تحديث :الأربعاء-25 مارس 2026-11:35م

القضية الجنوبية: بين وعي لا يُخترق وانقسام لا يُغتفر

الأربعاء - 25 مارس 2026 - الساعة 09:16 م
أحمد حرمل

بقلم: أحمد حرمل
- ارشيف الكاتب


يخطئ من يعتقد أن تفكيك المجلس الانتقالي الجنوبي، أو زاحة قيادته من المشهد السياسي ، أو تغير موازين القوى العسكرية على الأرض، سينهي القضية الجنوبية أو يطويها .


فهذه نظرة قاصرة تختزل القضية في أشخاص أو مؤسسات أو ترتيبات ظرفية، متناسية أن جوهر هذه القضية أعمق من ذلك بكثير.


إنها حالة وطنية قائمة على وعي جمعي، لا يمكن تفكيكها بتسويات او ترضيات في غرف مغلقة أو إعادة ترتيبها او تفصيلها وفقا لمقاسات معينة .


من يظن أن التغيير في المقدمة يقود بالضرورة إلى تغيير في الأصل، يكون قد وقع في فخ التبسيط المفرط الذي لا يليق بحجم القضية ولا بعمق جذورها التاريخية.


لطالما كان شعب الجنوب صمام الأمان الحقيقي لقضيته، وهو الحارس الأمين الذي لم يفرط يومًا في حلمه رغم تعاقب الظروف وتعدد المتغيرات.


فبينما تتشكل القيادات وتتلاشى، وتتغير التحالفات وتنقلب الموازين، يظل هذا الشعب متمسكًا بثوابته، ثابتًا على إرادته، لم تُخضه الوعود، ولم تُرهبه التهديدات.


إنه الضمانة الوحيدة التي تمنع القضية من الانزلاق إلى متاهات التفاوض العقيم أو التسويات الناقصة.


فمهما بلغت تعقيدات المشهد السياسي أو العسكري، يبقى الوعي الشعبي هو الثابت الذي لا يتزعزع، والإرادة الجامعة التي لا يمكن الالتفاف عليها.


لقد أثبتت السنوات أن أي مسار لحل القضية الجنوبية لا ينطلق من هذه الحقيقة الجوهرية، مصيره الفشل حتمًا، لأن صمام الأمان الحقيقي ليس في القصور ولا في المؤسسات، بل في قلوب وعقول رجال ونساء الجنوب الذين جعلوا من قضيتهم قضية وجود لا تقبل المساومة.


تمثل القضية الجنوبية واحدة من أعقد الملفات في المشهد اليمني الحديث، إذ ارتبطت بتاريخ طويل من الصراع السياسي والعسكري، وتراكمات من التوترات التي لم تُحل بشكل جذري.

الاعتراف بها كقضية سياسية مستقلة كان خطوة فارقة، لكنه لم يكن كافياً لإنهاء الجدل حولها.


واليوم، وبعد محطات عديدة من الحوار والجدل، يظل السؤال قائماً: أين يكمن الخلاف الحقيقي، وكيف يمكن الوصول إلى حل عادل يرضي جميع الأطراف؟


لقد شكّل اعتراف القوى السياسية اليمنية بالقضية الجنوبية باعتبارها قضية سياسية قائمة بذاتها، وصولاً إلى الاعتذار الرسمي للجنوب عن حرب 94 ــ وإن جاء متأخراً ــ محطة فارقة في مسار طويل من النضال.


غير أن هذا التحول لم يكن ليأتي لولا الحراك السلمي الجنوبي الذي انطلق في 7 يوليو 2007، معلناً صوت الجنوب الهادر ، ومقدّماً تضحيات غالية وجسيمة من الشهداء والجرحى الذين ارتوت بدمائهم أرض الجنوب دفاعاً عن الحق والكرامة.


لقد تجلّت إرادة شعب الجنوب الصلبة في أبهى صورها، تلك الإرادة التي لا تلين ولا تنكسر، وقد حوّلت قضيته إلى رقم صعب، يصعب تجاوزه أو القفز عليه.


وفي مؤتمر الحوار الوطني عام 2013، تجسَّد هذا المنحى في تشكيل لجنة "8+8" لمهمة البحث في القضية الجنوبية.


لكن الحقيقة، التي لا يصح تغاضيها، أن تلك اللجنة، رغم عبقريتها التاريخية، لم تبلغ مرفأ الاتفاق النهائي.

وهنا يتسلل السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا؟ وأين نقف اليوم على خريطة الزمن؟


نقطة البدء الحقيقية


يملي علينا منطق السياسة أن نبدأ من حيث انتهت اللجنة، لا أن نعيد اختراع العجلة. المطلوب هو غوص عميق في ما وصلت إليه، وتشخيص دقيق لنقاط الاختلاف، بدل العودة إلى نقطة الصفر التي تجاوزها الجميع.

فالتاريخ لا يُصنع بالالتفاف على الإنجازات، بل بالبناء عليها بثبات.


لقد تقلصت هوة الخلاف بين الأطراف اليمنية حول جوهر القضية الجنوبية تقلصاً كبيراً.

فلم يعد الجدل يدور حول الاعتراف بوجود القضية، ولا حول ماهيتها، ولا حتى حول الأسباب التي فجرتها.

كل هذه الأسئلة قد وجدت طريقها إلى الحسم، في الممرات السياسية والإعلامية على السواء.


الخلاص في سؤال واحد


واليوم، بعد كل هذه التراكمات، لم يعد الخلاف قائماً على "ماذا حدث؟" بل على "كيف نعالج؟". فجميع القوى المعنية تتفق على ضرورة حل عادل للقضية الجنوبية، لكن الخلاف الحقيقي يكمُن في تعريف "الحل العادل" نفسه.

هنا، تحديداً، تكمن المعضلة.


لكل طرف مفهومه الخاص عن العدالة، مستنداً إلى قراءته للتاريخ ومصالحه السياسية ورؤيته للمستقبل.

ومن غير المعقول — بل من غير العملي — أن ننتظر توافقاً كاملاً على مفهوم واحد للحل العادل؛ فهذا ضرب من المستحيل السياسي الذي سيستنزف العمر ويؤجل الحسم إلى أفق غير مرئي.


المخرج: تقرير المصير


إذا كان التوافق على مفهوم الحل العادل مستعصياً، فإن التوافق على آلية الوصول إلى الحل ليس مستحيلاً.


وهنا يصبح حق شعب الجنوب في تقرير مصيره بنفسه، بإرادته الحرة المباشرة، دون وصاية من أحد، هو الحل الأمثل الذي يمكن أن يلتقي عليه الجميع.

إنها معادلة تنقذنا من متاهة التعريفات الذاتية، وتضع الفاصلة الأخيرة في يد أصحاب القضية الحقيقيين.


تحذير من العودة إلى الصفر


إن الاستمرار في مناقشة التفاصيل التي ظلت أسيرة الخلاف التقليدي، أو التشبث بمفاهيم جامدة للحل العادل لا يقبلها الطرف الآخر، ليس سوى وصفة لتعطيل الحل وإعادة القضية إلى نقطة الصفر.

وهذا هو السيناريو الذي ينبغي أن يحذر منه الجميع، لأن ثمنه سيكون باهظاً على الكل.


لقد حان الوقت لنكون واقعيين: حل القضية الجنوبية لم يعد مستعصياً كما يُصوَّر، لكنه يحتاج إلى شجاعة في القرار، وجرأة في وضع النقاط على الحروف، وإيمان راسخ بأن الحل العادل الحقيقي هو ذلك الذي يصنعه شعب الجنوب بنفسه.


يبقى القول إن القضية الجنوبية، التي كتبت بأنفاس الشهداء وثبات الحراك، لا يمكن أن تختزل في زوايا ضيقة من المصالح الضيقة أو تتعطل عند عتبات الخلافات التقليدية.


لقد آن الأوان لنقلها من دائرة الترقيع إلى فضاء الحسم الجذري، حيث يصنع شعب الجنوب قراره بنفسه بعيداً عن الوصايات.


فالعدالة التي طال انتظارها لن تتحقق بالنقاشات المطولة، بل بإرادة صلبة تدرك أن التاريخ يُصنع مرة واحدة، وأن ثمن التفريط فيه أكبر من ثمن المواجهة الشجاعة.


ما العمل ؟


بينما يواصل الجنوب مسيرته نحو استكمال مسار النضالي من اجل الحرية والكرامة واستعادة الدولة، يعيش المشهد الجنوبي الداخلي حالة من التشظي والانقسام غير المسبوقة، انعكست سلبًا على تماسك الجبهة الداخلية، وأضعفت قدرة القوى الجنوبية على إدارة المعركة السياسية بفعالية.


هذا الواقع يستدعي وقفة جادة ومُراجعة نقدية تتجاوز الخطاب الإنشائي إلى إعادة الاعتبار للعقل السياسي الجنوبي الذي ظل لسنوات مغيبًا تحت وطأة المحاصصة والاجندات الضيقة.


أولى أولويات المرحلة الحالية تتمثل في مراجعة شاملة للأخطاء التي ارتُكبت في إدارة المشهد الداخلي، سواء على صعيد الأداء المؤسسي، أو في التعاطي القوى الجنوبية مع بعضها ، أو في ترتيب أولويات المرحلة.


فغياب الرؤية الموحدة وتعدُد المرجعيات السياسية والتناحر حول احقية تمثيل الجنوب ومن ثم حكمه في المستقبل لم يعد ترفًا يمكن استمراره، بل بات يمثل خطرًا وجوديًا يُهدد النضال الجنوبي بأكمله.


إن أي مشروع لتحقيق الاستحقاقات الوطنية — وفي مقدمتها استعادة الدولة الجنوبية الكاملة — يظل غير قابل للتحقيق دون بناء جبهة داخلية صلبة تقوم على الشراكة الحقيقية، وترتيب البيت الجنوبي وفق أسس وطنية صرفة، بعيدًا عن الوصاية الخارجية أو المصالح الضيقة.


وهنا تبرز ضرورة الحوار الجنوبي-الجنوبي بوصفه المدخل الوحيد لتجاوز الانقسام، وتشكيل تمثيل سياسي موحد يملك القدرة على التفاوض باسم الجنوب، واتخاذ القرارات المصيرية.


هذا الحوار لا ينبغي أن يكون مجرد موسم من اللقاءات الاستعراضية، بل عملية سياسية جادة تتضمن:


• تقييمًا صادقًا للتجارب السابقة والاعتراف بالأخطاء دون مكابرة أو تبرير.

• وضوحًا في الرؤية حول حاضر الجنوب ورسم ملامح مستقبله وشكل العلاقة مع القوى الإقليمية والدولية.

• آليات واضحة لتوزيع المسؤوليات وضمان عدم العودة إلى سياسات الإقصاء أو الاستئثار.

• إشراك جميع المكونات الجنوبية دون استثناء، ورفض أي محاولات لتهميش أو تصفية أي طرف وطني.


إن الفترة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مصير القضية الجنوبية.

فإما أن تُدرك القوى الجنوبية حجم التحديات المحدقة بها، وتتجاوز حالة التشرذم إلى جبهة سياسية موحدة قادرة على إدارة المعركة الوطنية بوعي وحكمة، أو أن تظل رهينة الانقسامات والخطابات الهامشية التي لا تخدم سوى مشاريع الأطراف الأخرى التي تتربص بالجنوب.