آخر تحديث :الأربعاء-25 مارس 2026-10:16م

رجالات الدولة لا يسقطون.. الصبيحي واستعادة البوصلة السيادية

الأربعاء - 25 مارس 2026 - الساعة 05:10 م
د.علي العسلي

بقلم: د.علي العسلي
- ارشيف الكاتب


د. علي العسلي


ليس كل موقفٍ عابرٍ يُصنع للتصفيق، ولا كل كلمةٍ تُقال في لحظةٍ مشحونةٍ تُكتب لها الحياة. بعض المواقف لا تمرّ، بل تُرسِّخ معيارًا، وتعيد تعريف الأشياء في لحظةٍ واحدة. هكذا بدا المشهد في محافظة لحج؛ لحظةٌ إدارية في ظاهرها، لكنها كشفت في جوهرها عن اختبارٍ حقيقي لمعنى الدولة: هل هي حضورٌ شكلي، أم كيانٌ سيادي لا يُقبل فيه الغياب ولا التجاوز؟


في تلك اللحظة، لم يكن الفريق محمود الصبيحي، عضو مجلس القيادة الرئاسي، مجرد مسؤولٍ يؤدي واجبًا بروتوكوليًا عابرًا، بل كان يحمل في تكوينه تجربةً شخصية تختصر معنى الدولة حين تُسلب، ومعناها حين تُستعاد. رجلٌ خرج من سجون المليشيات الحوثية، لا يتحدث عن الدولة بوصفها فكرةً نظرية، بل كقيمةٍ دُفع ثمنها من الحرية والكرامة، وتشكلت ملامحها في وعيه عبر المعاناة لا الشعارات.


لذلك، كان يرى ما قد يغيب عن غيره؛ يدرك أن أول ما يسقط عند اختلال الدولة ليس الأرض، بل الرمز، وأن الانهيار لا يبدأ بضجيج السقوط الكبير، بل بتفاصيل صغيرة يُستهان بها، كأن يصبح غياب العلم أمرًا عاديًا، أو يتحول تغييب صورة الدولة إلى تفصيلٍ يمكن تجاوزه. هنا تحديدًا تتكشف الفروق بين من خبر الدولة كمعنى، ومن اعتاد التعامل معها كإجراء.


وحين نظر حوله، فلم يجد علم الجمهورية اليمنية، ولا صورة رئيس الدولة، لم يتعامل مع المشهد بوصفه خللًا بروتوكوليًا، بل بوصفه انزلاقًا خطيرًا نحو تفريغ الدولة من معناها. هناك، لم يتردد، ولم يساوم، ولم يبحث عن مخرجٍ دبلوماسي. قال كلمته التي تختصر المعادلة كلها: كيف نغيب رموز الدولة ونحن نحمل جوازها، ونتعامل بعملتها، ونستظل بشرعيتها؟ ثم ختمها بـ"الله المستعان"، وغادر. كانت مغادرته موقفًا، لا انسحابًا؛ إعلانًا صامتًا بأن الدولة لا تُدار بمنطق المجاملة، ولا تُحمى بالصمت.


ذلك المشهد لم يكن تفصيلًا، بل لحظة فرزٍ حاد بين من يفهم الدولة كمنظومةٍ متكاملة، ومن يتعامل معها كأداةٍ انتقائية. فالدولة ليست ما يمنحك الامتيازات فقط، بل ما يُلزمك بالانتماء الكامل إليها. لا يمكن أن تأخذ منها الشرعية وتفرّط في رمزيتها، ولا أن تتكئ على مؤسساتها بينما تُضعف معناها في الوعي العام. إنها كلٌّ لا يتجزأ، وأي مساسٍ بأحد أركانها هو مساسٌ بها جميعًا.


وفي زمنٍ اختلطت فيه الشعارات بالصفقات، وتحولت فيه بعض القضايا الكبرى إلى منصاتٍ لتحقيق مكاسب ضيقة، كان بإمكان الصبيحي أن يختار الطريق الأسهل؛ أن يقول ما يرضي اللحظة، وأن ينحاز للضجيج، وأن يخرج محمولًا على تصفيقٍ عابر. لكنه اختار ما لا يختاره إلا رجال الدولة الحقيقيون: أن يقف حيث يجب، وأن يقول ما يجب، وأن يدفع كلفة الموقف دون تردد.


ما جرى في لحج ليس حادثةً تُروى، بل رسالة سياسية مكتملة. رسالة تقول إن رمزية الدولة ليست شأنًا ثانويًا، وإن التهاون فيها ليس مرونة، بل بداية تفكك. وتقول أيضًا إن معركة اليمن اليوم ليست فقط معركة جبهات، بل معركة وعي: وعيٍ يحدد هل تبقى الدولة إطارًا جامعًا، أم تتحول إلى مجرد اسمٍ يُستخدم عند الحاجة ويُغيب عند التعارض.


ومن هنا، فإن هذه اللحظة تضع الجميع—وفي مقدمتهم رئيس مجلس القيادة الرئاسي—أمام مسؤوليةٍ لا تحتمل التأجيل أو المواربة: فلا دولة بلا رمزية، ولا رمزية بلا حماية، ولا حماية بلا حسم. فالتراخي في هذا المستوى ليس مرونةً سياسية، بل تفريطٌ مقنّع، وسياسة الاسترضاء، مهما بدت مريحة في المدى القصير، لا تصنع استقرارًا، بل تُراكم فراغًا تتكاثر فيه الولاءات المتعددة، وتتآكل معه فكرة الدولة من الداخل حتى تصبح مجرد إطارٍ بلا مضمون.



لقد وضع الصبيحي، في لحظةٍ واحدة، خطًا فاصلاً لا لبس فيه: إما دولة تُحترم في رمزها قبل مؤسساتها، أو فوضى تُدار تحت لافتتها. وهذا هو الفارق الذي لا يدركه إلا من جرّب غياب الدولة، وعرف أن سقوطها لا يأتي دفعةً واحدة، بل يبدأ بتفاصيل صغيرة يُظن أنها لا تُرى.


في المحصلة، لم يكن ما فعله الصبيحي مجرد موقفٍ شجاع، بل كان استعادةً للبوصلة في زمنٍ كثرت فيه الاتجاهات المضللة. لقد تصرف كرجل دولةٍ يعرف أن الصمت في لحظات الاختلال خيانة، وأن الكلمة الواضحة قد تكون أحيانًا آخر خطوط الدفاع.


في زمنٍ تتساقط فيه الأقنعة، تبقى الأوطان قائمةً برجالٍ لا يسقطون؛ رجالٍ لا ينحنون أمام ضغط الواقع، ولا يساومون على الثوابت، ولا يرون في الدولة فرصة، بل قدرًا لا يُخالف.


تحية من الأعماق لهذا الرجل الذي لم يكتفِ بأن يمثل الدولة، بل أعاد تذكير الجميع بمعناها.