آخر تحديث :الأربعاء-25 مارس 2026-12:21ص

انتقائية السؤال: حين يُستدعى التضامن في لحظة ويُغيب في أخرى

الثلاثاء - 24 مارس 2026 - الساعة 09:27 م
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


في خضم التصعيد الإقليمي والتوترات المتلاحقة، يخرج تصريح أنور قرقاش ليثير سؤالًا يبدو في ظاهره مشروعًا: أين الدول العربية والإسلامية؟ وأين مؤسسات العمل المشترك، وعلى رأسها جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، في مواجهة ما وُصف بالعدوان الإيراني؟

لكن هذا السؤال، على وجاهته الظاهرية، لا يمكن فصله عن سياقه الأوسع، ولا عن سجلّ المواقف والسياسات التي تمنحه معناه الحقيقي.

فالسؤال عن الغياب العربي والإسلامي ليس جديدًا، لكنه يصبح إشكاليًا حين يُطرح بانتقائية، وكأن التضامن قيمة موسمية تُستدعى عند الحاجة وتُغيّب في غيرها. إذ لا يمكن لأي خطاب يدعو إلى وحدة الموقف أن يتجاوز محطات قريبة لا تزال حيّة في الذاكرة، وفي مقدمتها حرب غزة، التي كشفت بوضوح حجم التباين—بل والتناقض—في المواقف العربية والإسلامية.

حين كانت غزة تحت واحدة من أعنف موجات العدوان، لم يكن سؤال "أين الجميع؟" حاضرًا بذات الزخم، ولم يُطرح تقصير المؤسسات الإقليمية بنفس الحدّة. كانت المأساة آنذاك تمسّ وجدان الشارع العربي والإسلامي مباشرة، ومع ذلك غاب الصوت الجامع، أو جاء خافتًا ومترددًا. وهنا يتكشف الخلل الحقيقي: ليس في السؤال، بل في انتقائية طرحه وتوقيت استدعائه.

المبدأ الذي ينبغي أن يحكم هذه القضايا واضح: رفض العدوان لا يتجزأ، والسيادة لا تُنتهك، أيًا كان الفاعل أو المستهدف. فلا يمكن تبرير اعتداء إقليمي—سواء صدر من إيران أو من غيرها—كما لا يمكن القبول بازدواجية تُدين فعلًا وتتغاضى عن آخر. فالمصداقية السياسية لا تُبنى على مواقف ظرفية، بل على اتساق أخلاقي واستراتيجي مستمر.

غير أن الإشكال الأعمق يتجاوز حدود التصريحات إلى بنية الفعل السياسي ذاته. إذ لا يمكن الحديث عن غياب التضامن العربي والإسلامي دون التوقف عند السياسات التي أسهمت في تفكيكه. فمن اليمن إلى السودان، مرورًا بليبيا وتونس ومصر، شهدت المنطقة صراعات معقدة وتدخلات متشابكة، لعبت فيها قوى إقليمية أدوارًا متباينة، لم تفضِ دائمًا إلى الاستقرار، بل ساهمت—في كثير من الأحيان—في تعميق الانقسام.

وهنا لا يعود النقاش نظريًا، بل يتجسد في نماذج واقعية تكشف كيف تشكلت هذه الفجوة في الثقة والعمل المشترك.

تتشكل ملامح الدور الإماراتي في المنطقة من خلال تقاطع معقد بين الدعم العسكري المباشر، والتمويل اللوجستي للمليشيات، وفتح مسارات اقتصادية تخدم قوى إقليمية ودولية على حساب السيادة الوطنية للدول العربية. ويمكن رصد هذا الدور السلبي عبر الأدلة التالية:

1. تقويض النظم الوطنية والشرعية السياسية

يبرز الملف اليمني والمصري كشاهدين على الصدام المباشر مع مفهوم "الدولة الوطنية". ففي اليمن، وثقت الحكومة الشرعية عبر منبر الأمم المتحدة حادثة "نقطة العلم" (2019)، حيث استهدف الطيران الإماراتي قوات الجيش الوطني لمنعها من بسط نفوذها على العاصمة المؤقتة عدن، مما أدى لمقتل وجرح أكثر من 300 جندي، وهو ما اعتبره المسؤولون اليمنيون خروجاً عن أهداف التحالف وتكريساً للانقسام. وبالمثل، شهدت فترة ما بعد الربيع العربي في مصر صداماً علنياً، حيث اشتكى محمد مرسي في قمة الدوحة (2013) من "أصابع خارجية" تعبث بالأمن القومي المصري وتدعم التحركات التحريضية لزعزعة استقرار النظام القائم آنذاك.

2. رعاية المليشيات والحروب بالوكالة

في السودان وليبيا، يظهر نمط "تفتيت المركز" عبر دعم أطراف عسكرية موازية للدولة. فبينما تتهم الحكومة السودانية ومندوبها في مجلس الأمن أبوظبي بفتح جسور جوية وبرية لإمداد "قوات الدعم السريع" بالسلاح والمال (عبر مطار أم جرس)، تشير تقارير خبراء الأمم المتحدة في ليبيا إلى دور مماثل في دعم قوات المشير خليفة حفتر وتزويدها بأنظمة دفاعية ومسيرات متطورة. هذا الدعم العسكري لكيانات غير حكومية أسهم في إطالة أمد الحروب الأهلية، وعرقل محاولات الحكومات المعترف بها دولياً لبسط سيادتها، مما حول هذه الدول إلى ساحات للصراع الدائم والتطهير العرقي والنزوح الجماعي.

3. الجسور البرية والاصطفاف الجيوسياسي الجديد

تكتمل صورة هذا الدور في سياق القضية الفلسطينية، حيث كشفت وسائل إعلام عبرية (مثل القناة 13 وموقع واللا) عن إقامة "جسر بري" ينطلق من موانئ دبي لتمويل الكيان الإسرائيلي بالمواد الغذائية والسلع عبر الأراضي العربية، وذلك للالتفاف على الحصار البحري في البحر الأحمر. هذا المسار الذي وُصف بـ "الالتفاف الذكي" يعكس تفضيل المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة مع القوى الإقليمية الصاعدة على حساب الإجماع العربي، ويساهم في تعزيز القدرة اللوجستية للكيان في استمرار حربه، مما يضع الإمارات في مواجهة مباشرة مع تطلعات الشعوب العربية واستقرارها.

وفي ضوء هذه الوقائع، يبرز السؤال الأكثر جوهرية: هل يمكن لمن كان جزءًا من مشهد الانقسام أن يتصدر خطاب الوحدة دون مراجعة حقيقية؟ وهل يُعقل أن يُطلب الاصطفاف في لحظة معينة، بينما لم تُبنَ أرضية ثقة تسمح بهذا الاصطفاف أصلًا؟

إن استدعاء ضعف المؤسسات العربية والإسلامية لتبرير الحضور الأمريكي والغربي لا يعالج المشكلة، بل يكرّسها. فالتراجع العربي ليس نتيجة غياب الآخرين، بل نتيجة تراكمات من السياسات المتناقضة وغياب مشروع إقليمي جامع. وعليه، فإن استعادة الدور لا تكون بالشكوى من الفراغ، بل بملئه برؤية متماسكة ومواقف منسجمة.

في النهاية، يظل السؤال قائمًا، لكنه يحتاج إلى إعادة صياغة أكثر صدقًا: ليس فقط "أين الآخرون؟" بل "أين كنّا نحن عندما كانت القضايا ذاتها تُختبر في ساحات أخرى؟".

لأن التضامن الذي يُستدعى انتقائيًا، يفقد معناه.

والسؤال الذي لا يشمل صاحبه، يفقد قيمته.

أما المواقف التي لا تتسق، فلا تصنع دورًا… بل تفسّر غيابه.