لم أكن أعتقد أن مجرد الكتابة عن وجعٍ عشناه في الجنوب طوال ستين عاماً… سيُغضب كل هذا العدد من الناس.
ولم أكن أتصور أن الحديث عن الحقيقة سيُقابل بالتشكيك، أو بمحاولات بائسة لتشويه الصوت بدلاً من مناقشة الفكرة.
لكن يبدو أن المشكلة ليست فيما أكتب…
بل في ما يكشفه ما أكتب.
هناك من لا يريد للتاريخ أن يُروى كما هو،
ولا يريد للناس أن تفهم ما الذي حدث… ومن الذي تسبب فيه…
لأن الحقيقة ببساطة تفضح الجميع.
عندما يعجز البعض عن الرد، يلجأ للتشكيك:
مرة يقولون هذا الكلام ليس لك…
ومرة يقولون هناك من يكتب عنك…
وهذا في حقيقته ليس نقداً، بل إسقاط واضح…
فكلٌ يرى الناس بعين طبعه.
أنا لا أكتب لأجل إثبات نفسي،
ولا لأجل تصفية حسابات،
ولا لأجل تمجيد طرف أو جلد طرف آخر…
أنا أكتب لأن هناك قضية… قضية شعب… قضية وطن تم تمزيقه عبر عقود،
وأرفض أن تُختزل هذه القضية في أشخاص أو جماعات أو مناطق.
قضية الجنوب ليست مزاجاً سياسياً…
وليست شعاراً موسمياً…
بل تاريخ طويل من المعاناة، من الأخطاء، من الصراعات، ومن التضحيات أيضاً.
ومن يحاول تبسيطها أو تسطيحها… إما جاهل… أو مستفيد من بقاء الفوضى.
أنا لا أكره أحداً…
وأشهد الله أنني أتمنى السلام لكل أبناء الجنوب، دون استثناء.
لكن السلام الحقيقي لا يأتي بالكذب،
ولا بالتغطية على الأخطاء،
ولا بتقديس الفشل.
السلام يأتي حين نواجه الحقيقة… مهما كانت مؤلمة.
وسأظل أكتب…
ليس لأن الكتابة سهلة، بل لأنها واجب.
وسأظل أقول ما أراه حقاً… حتى لو أغضب ذلك الكثيرين.
فأنا ابن رجل ناضل… ونُفي… ومات بعيداً عن وطنه،
ولم يورثني مالاً… بل ورثني موقفاً.
علّمني أن الكرامة لا تُجزأ،
وأن الوطن لا يُبنى بالمجاملات،
وأن الصمت عن الخطأ خيانة.
وسأبقى على هذا العهد…
حتى نرى وطناً لا يُسأل فيه الإنسان: من أنت؟
بل يُعامل فيه بما يستحقه كإنسان.
وهنا يأتي السؤال الذي يخيفهم…
هل تعلمون ماذا تعني المواطنة؟
المواطنة…
أن لا يكون هناك سيد وعبد.
أن لا يكون هناك متحكم ومُطبل له.
أن لا تُقاس قيمة الإنسان بمنطقته… ولا بانتمائه… ولا بولائه.
المواطنة…
أن يكون القانون فوق الجميع… لا تحت أقدام المتنفذين.
المواطنة…
أن يكون الوطن للجميع… لا عزبه خاصة لأحد.
لهذا يغضبون…
لأن المواطنة تعني نهاية امتيازاتهم
لهذا أكتب…وسأظل أكتب