آخر تحديث :الإثنين-13 يوليو 2026-02:11ص

اختبار الجنوب: لماذا تحتاج الرياض إلى "قيادة استثنائية" في اليمن؟

الثلاثاء - 24 مارس 2026 - الساعة 06:28 ص
أنيس منصور


منذ اندلاع الحرب القائمة بين إيران من جهة، والولايات

المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى، لم تعد المنطقة تعرف طعم الاستقرار الذي كانت عليه قبل سنوات.


هذه الحرب التي تحمل في طياتها أبعادًا جيوسياسية معقدة، جعلت من الجغرافيا الإقليمية ساحة مفتوحة لتصفية حسابات كبرى، انعكاساتها لا تقف عند حدود الدول المتقاتلة، بل تمتد تدريجيًا لتطال دول الجوار، وفي مقدمتها دول الخليج العربي، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.



فالنار حين تشتعل في بيت الجار، لا بد أن تمتد جذوتها إلى البيوت المجاورة، خاصة حين تكون المصير مشتركًا إلى درجة تجعل الأمن جزءًا لا يتجزأ من أمن الآخرين.


المملكة العربية السعودية، التي ظلت لعقود طويلة تمثل ركيزة الاستقرار في المنطقة، تجد نفسها اليوم أمام اختبار لم يسبق له مثيل. لم يعد المطلوب منها مجرد إدارة الأزمات بالطرق الدبلوماسية التقليدية، بل باتت مضطرة إلى إعادة حساباتها الأمنية والعسكرية بشكل استباقي، لأن التهديدات لم تعد تأتي في إطار المواجهات المباشرة بين الجيوش النظامية، بل صارت متعددة المصادر والأدوات، تأتي من حيث لا يحتسب، وبأساليب غير تقليدية تضع الجميع أمام تحدٍ حقيقي في كيفية التصدي لها.



وفي ضوء ذلك، بات من الضروري أن تؤمن المملكة نفسها من اتجاهين حساسين في آن واحد، خصوصًا الاتجاه الشمالي الشرقي الذي يشكل أحد منافذ التهديدات المحتملة،


أقصد بذلك مدن الجنوب اليمني الواقعة تحت سيطرة السلطة الشرعية، بعد طرد مليشا المجلس الانتقالي المنحل

تلك المناطق التي تحولت على مدار السنوات الماضية إلى مسرح للصراعات المتشابكة، وإلى منصة تنطلق منها تهديدات متعددة الأوجه بطرق غير مباشرة تارة، ومباشرة تارة أخرى.



فالوضع الميداني في اليمن عمومًا، وفي الجنوب خصوصًا، لم يعد يحتمل التعامل معه بالمنطق التقليدي القائم على الانتظار ورد الفعل، بل صار لزامًا أن يُواجه بمنطق وقائي يعتمد على الاستباق والحسم.


فهناك من يعمل في هذه المناطق على مدار الساعة لتحقيق أجندة لا تتماهى مع المصالح السعودية ولا مع استقرار المنطقة، وهؤلاء هم تحديدًا ما تبقى من مجاميع تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، تلك العناصر التي ظلت، رغم كل الجهود السابقة، تعمل تحت أغطية مختلفة، وتسعى جاهدة إلى الإضرار بالمملكة عبر وسائل قتالية غير تقليدية، فهذه المليشيا لازالت في حوزتها مئات الطائرات المسيرة والتي قد تطال في أي لحظة المملكة ومن ثم عمل مخرج للفاعل ونسب ذلك الى جماعة جديدة وذلك في ضوء الفوضى التي تشهدها المنطقة




ما يزيد الوضع تعقيدًا أن هذه المجاميع لم تعد تعمل في إطار تنظيمي واضح يمكن التعامل معه بالطرق التقليدية، بل توزعت وتشظت وتحولت إلى خلايا متنقلة، بعضها يحمل أغطية سياسية وبعضها الآخر يعمل في الظل، لكنها جميعًا تتفق على هدف واحد هو زعزعة الأمن في جنوب اليمن واستهداف المصالح السعودية.


هناك تحركات وأمور تجري حاليًا، ويتم الترتيب لها في جنوب اليمن، ولدينا مصادر تؤكد ذلك، فالذين يريدون الإضرار بالسعودية كثر، لكن أخطر هؤلاء اليوم هم فلول الانتقالي الذين لم يقتنعوا بمسارات التسوية ولم يذعنوا للجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار، بل ظلوا متمسكين بخيار العنف والتصعيد.




في ظل هذه المعطيات، لم يعد أمام المملكة من خيار سوى تنفيذ ترتيبات أمنية موسعة وغير مسبوقة في جنوب اليمن، بحيث يتم إعادة هيكلة العمل الأمني هناك بشكل جذري، والانتقال به من حالة الانقسام والتشتت إلى حالة الوحدة والانضباط. وهذه الترتيبات تستدعي في مقدمتها وجود قيادة أمنية استثنائية، قيادة لا تشبه القيادات التقليدية التي اعتدنا عليها، قيادة تجمع بين الشجاعة والقوة والقدرة على فرض هيبة الدولة واستتاب الأمن والاستقرار، وفي الوقت نفسه تمتلك من الحكمة والرؤية ما يجعلها قادرة على التعامل مع تعقيدات المشهد دون أن تنزلق إلى ردود فعل متسرعة أو قرارات غير مدروسة.





نحن بحاجة إلى رجل يمتلك مواصفات نادرة، قلما تتوفر في غيره. أول هذه المواصفات، أن يحظى بشعبية كبيرة تعزز من فرص نجاح أي مهام أمنية، شعبية حقيقية تنبع من تاريخ نضالي طويل، ومن مواقف ثابتة لا تثير الجدل ولا تترك مجالًا للتأويل. ثاني هذه المواصفات، أن يتمتع بسجل وطني نقي خالٍ من الشوائب، لأن من يتولى مثل هذه المهمة الحساسة في ظروف استثنائية لا يمكن أن يكون محل شك أو تساؤل حول ولائه وانتمائه. وثالث هذه المواصفات، أن يملك رؤية واضحة لطبيعة المعركة المقبلة،




كما أن مكان تواجد هذه القيادة له أهميته الكبرى، إذ لا بد أن يكون مقيمًا في العاصمة عدن، ليكون قريبًا من الميدان وملمًا بتفاصيله أولًا بأول، وقادرًا على اتخاذ القرارات الحاسمة في الوقت المناسب. فالقيادة من خارج المسرح العملياتي، مهما كانت كفاءة القائد وخبرته، غالبًا ما تفشل في استيعاب التعقيدات الأمنية والسياسية المتشابكة هناك، وتفشل أيضًا في بناء الثقة مع القوى المحلية التي تحتاج إلى شعور بأن القيادة تشاركها المخاطر قبل أن تطلب منها التضحية.


وبالنظر إلى كل هذه المعايير مجتمعة، لا يمكن أن نتوقف أمام اسم غيره، وهو اللواء محمود الصبيحي. فهذه الشخصية الوطنية معروفة بمواقفها الثابتة التي لم تتزحزح يومًا، وسيرته النقية التي لا يمكن لأحد أن يطعن فيها، وقبوله الشعبي الواسع الذي يمتد إلى أوساط مختلفة في الجنوب اليمني بل وفي مختلف المحافظات اليمنية. لقد قدم الصبيحي على مدار سنوات طويلة نموذجًا نادرًا في العطاء الوطني، ودفع ثمن مواقفه الكثير، لكنه ظل متمسكًا بمبادئه، ثابتًا على خطه، لم يخضع لأي ضغوط ولم تثنه أي إغراءات. خبرته العسكرية والأمنية الواسعة تؤهله ليكون خيارًا مناسبًا لقيادة المرحلة المقبلة في جنوب اليمن، بما يحقق الأمن للمملكة واستقرار المنطقة ككل.


إن تكليف اللواء محمود الصبيحي بهذه المهمة، وإسناد القيادة الأمنية في جنوب اليمن إليه مع إقامته في العاصمة عدن، سيكون له أثر كبير في تغيير المعادلة الأمنية هناك، وسيسهم بشكل مباشر في تحقيق الأمن للمملكة العربية السعودية واستقرار المنطقة ككل.



فالأمن السعودي هو جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة، وأي تهديد يستهدف المملكة هو تهديد للجميع، وأي فوضى أو انفلات في جنوب اليمن سينعكس مباشرة على أمن المملكة واستقرارها.



ما نمر به اليوم هو مرحلة فاصلة في تاريخ المنطقة، مرحلة تتطلب قرارات جريئة وشجاعة، وتتطلب أيضًا اختيار الرجال المناسبين في الأماكن المناسبة. لقد حان الوقت لأن نتعامل مع الواقع كما هو، وليس كما نتمنى أن يكون، وأن ندرك أن التحديات التي نواجهها لا تحتمل التردد أو التأجيل.



القرارات الأمنية العاجلة في جنوب اليمن، واختيار القيادة المناسبة لهذه المهمة، هو أحد أهم هذه القرارات، بل ربما هو أخطرها وأكثرها تأثيرًا على مستقبل المنطقة برمتها.