تكثر الإشارات والتحليلات، بل والتنبؤات، لدى بعض الباحثين المسلمين حول زوال إسرائيل، غير أن كثيرًا منها مبنيٌّ على رواياتٍ غير موثوقة، أو على قراءاتٍ متعجلة للنص، أو استنباطاتٍ قامت على أطراف المفردات دون إحكامٍ لمعانيها في سياق الكتاب.
فمنهم من حدّد زوالها بعام 2022، ومنهم من قال 2025، وآخرون قالوا 2027. غير أن هذه التواريخ كلّها، عند عرضها على الكتاب، تتهاوى أمام آيةٍ واحدةٍ فاصلة، تُبطل تلك الدعوى،
وتُبيّن أن زوال إسرائيل لا يكون بتوقيتاتٍ ظنّية، بل بقضاءٍ محكومٍ وأسبابٍ جارية في سنن التدافع.
وعليه، فإن زوالهم — كما يدل عليه الكتاب — لا يقع إلا في وعد الآخرة، لا فيما سواه.
-القرآن يفسر نفسه..
بعيدًا عمّا وجدنا عليه أسلافنا من تأويلاتٍ لا تتوافق مع لسان الكتاب، ولا مع اتباع قرآنه لاستخلاص بيانه، ولا مع علم تفصيله—نجد هنا أن القرآن يفسّر نفسه بنفسه، كما قال تعالى:
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾.
قضى ربك في الكتاب أن لبني إسرائيل إفسادتين؛ أولُ إفسادةٍ كانت حول المسجد الحرام، فقال:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾.
-وعد أولاهما
ووقوعه..
والوعد الأول في الكتاب هو بعثة النبي والذين آمنوا معه، إذ بعث الله عليهم عبادًا أولي بأسٍ شديد، كما قال في وصفهم:
﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾.
ونجد أن هؤلاء العباد، بعد فتح مكة، جاسوا خلال ديار يهود، وأجلوهم عن مواطنهم، فكان ذلك تحقيقًا للوعد، كما قال:﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾.
كما نجد أن بني إسرائيل المؤمنين، الذين شهدوا ذلك الحدث، قال عنهم الكتاب:
﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾،
وذلك لكون هذه الأحداث مذكورةً عندهم في كتبهم، ومعلومةً لديهم من قبل وقوعها.
(وَعْدُ أُولَاهُمَا) يُراد به (أول الحشر)، وقد جاء بيانه في قوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
وقال تعالى:
لوعد الآخر، ردّ الله الكرة لبني إسرائيل، وأمدّهم بأموالٍ وبنين، وجعلهم أكثر نفيرًا؛ لينظر كيف يعملون: أَيُحسنون في الحياة الدنيا.﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾.
أي إن الذي وقع لم يكن تقتيلًا ولا استئصالًا — كما يشيع في الموروث — بل كان جلاءً وإخراجًا عن الأرض، على وجهٍ بيّنٍ صريح. وكلام الله لا اختلاف فيه، ولا اضطراب في بيانه
-بني اسرائيل بين الوعد الاول والاخير
وبين الوعد الأول أم يعودون إلى فسادهم؟
وذلك من عدل الله سبحانه في الخلق، كما قال تعالى:
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾.
وقال (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا)
أي: رددنا لكم الغلبة والرجعة على الأمة التي أخرجتكم من دياركم — وهي أمة محمد — وأمددناكم بأموالٍ وبنين، وجعلناكم أكثر عددًا ونفيرًا.
-واقع التمكين وأسبابه..
ولا نجد أنهم أحسنوا في ذلك، بل نجد أنهم احتلّوا الأرض، وأقاموا دولتهم عليها، وأصبحوا أكثر نفيرًا. حيث يظهر نفيرهم ممتدًا من فلسطين إلى اليمن، إلى الشام، إلى العراق، إلى فارس. وكل هؤلاء — في هذا السياق — يُعدّون من أمة محمد، سنةً كانوا أو شيعة.
وقد كان تمكين بني إسرائيل في الأرض قائمًا على أسباب، كما قال تعالى:
﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾.
والحبل في اللسان هو السبب؛ أي إن الذلة ضُربت عليهم أينما وُجدوا، إلا بسببٍ من الله، أو بسببٍ من الناس.
فأما (حبلٌ من الله)، فهو موافقتهم لسنن الله الجارية في الكون، واتباعهم لأسباب التمكين، فحصل لهم من ذلك ما حصل.
وأما (حبلٌ من الناس)، فهو ما لقيه تمكينهم من دعمٍ بشري، سواء أكان دعمًا مباشرًا ماديًا، أو دعمًا غير مباشر؛ إذ قد يسهم الضد — من حيث لا يشعر — في تقوية الضد الآخر وتمكينه.
-الوعد الاخير وطبيعة الحسم..
وذكر أن الذين يُخرجونهم من حول المسجد هم عبادٌ على نهج من أخرجوهم في الفتح الأول؛ أي على منهاج النبوة وخلافتها، لا دون ذلك.
وقال لبني إسرائيل:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.
ونجد أن دخول النبي ﷺ وأصحابه أول مرة كان للمسجد الحرام كما في قوله تعالى:
﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
والفتح القريب المشار إليه في الآية يُفهم منه أنه متعلق بالمسجد الأقصى؛ إذ جاء لفظ (المسجد) في وعد الآخرة غير معرّف، بينما جاء في وعد أولاهما معرّفًا بـ(المسجد الحرام)، مما يدل على اختلاف الموضع بين الوعدين.
وفي الوعد الأخير، يبيّن أن العباد الذين يدخلون المسجد — على نهج من سبقهم — لن يكون فعلهم كالوعد الأول؛ إذ لا يقع فيه جلاءٌ لبني إسرائيل عن الأرض كما حدث في المرة الأولى، بل يكون الأمر أبلغ من ذلك وأشدّ.
ويظهر أن كلّ ما علَوا به بني أسرائيل من بناءٍ وتمكينٍ على الارض يُتَبَّر تتبيرًا، كما قال تعالى:
﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.
أي ان أولائك العباد يقوموا بتتبير كل ما أقاموه وعلَوه
بني أسرائيل من بناء- أي يُهدم من أساسه، ويُمحى أثره محوًا، حتى كأن لم يكن- فيزول بذلك تمكينهم في الأرض زوالًا تامًّا، لا بجلاءٍ مؤقّت كما في الوعد الأول، بل باستئصالٍ لما قاموا عليه من أصل.
وعليه، فلا يكون لهم في هذا الوعد إمهالٌ ولا جلاء، كما كان من قبل؛ لأن فسادهم قد عاد واستفحل، فكان الجزاء على قدر العمل
وهذا القضاء لا يكون إلا في الوعد الاخير -كما تدل عليه آيات الكتاب والله اعلم.