آخر تحديث :الخميس-19 مارس 2026-10:44م

تهامة يوم الأرض والإنسان

الخميس - 19 مارس 2026 - الساعة 02:31 م
عبدالجبار سلمان

بقلم: عبدالجبار سلمان
- ارشيف الكاتب


في ذاكرة الشعوب محطاتٌ لا تُمحى، تُجسّد لحظات التحول الكبرى التي تصوغ الوعي الجمعي وتُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وأرضه. ويأتي الخامس عشر من مارس 2012 كواحدٍ من تلك الأيام الفارقة في تاريخ تهامة، حيث انتفض أبناؤها في مشهدٍ سلميٍ حضاري، مطالبين بحقوقهم المشروعة، وساعين إلى كسر قيود التهميش والإقصاء التي أثقلت كاهلهم لعقود طويلة. وبعد سنوات وفي الذكرى الرابعة عشرة أصبح هذا اليوم رمزًا خالدًا، لا يُستحضر فقط كذكرى، بل كقيمةٍ نضاليةٍ متجددة تعكس إرادة الحياة والكرامة. في ذلك اليوم، لم تكن تهامة مجرد جغرافيا، بل كانت روحًا نابضةً بالحياة، تتجلى في أصوات أبنائها وهم يرفعون راية الحق، ويؤكدون أن الأرض لا تنفصل عن الإنسان، وأن الكرامة ليست مطلبًا طارئًا بل حقٌ أصيل. خرجت الجموع لتكتب صفحةً جديدة في سجل النضال السلمي، حيث عبّر التهاميون عن تطلعاتهم في العيش بكرامة، والمشاركة العادلة في مختلف مفاصل الحياة الوطنية، رافضين أن يبقوا على هامش التاريخ. لقد كان لدماء الشهداء التي روت أرض تهامة أثرٌ بالغ في ترسيخ هذا اليوم كعلامةٍ مضيئة في مسيرة النضال. أولئك الذين قدّموا أرواحهم لم يكونوا مجرد ضحايا، بل كانوا صُنّاع مجدٍ، وشهودًا على مرحلةٍ مفصليةٍ في تاريخ المنطقة. بدمائهم شُيّد صرح العزة، وبثباتهم ارتفعت آمال الأجيال القادمة، لتؤكد أن التضحيات لا تذهب سدى، وأن الطريق نحو العدالة، وإن طال، لا بد أن يُفضي إلى فجرٍ جديد. ويحمل يوم الأرض والإنسان في تهامة دلالاتٍ عميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان؛ فهو ليس فقط ذكرى انتفاضة، بل تجسيدٌ لهويةٍ متجذرة، وانتماءٍ أصيلٍ إلى أرضٍ شكلت عبر التاريخ مصدر عيشٍ وثقافةٍ وتراث. إن الحفاظ على هذه الهوية التهامية، وتعزيز حضورها في مختلف مجالات الحياة، يُعدّ من أبرز التحديات والواجبات في آنٍ واحد، خصوصًا في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم. ومن هنا، تبرز أهمية تعزيز الوحدة بين أبناء تهامة، باعتبارها الركيزة الأساسية لأي مشروعٍ نضاليٍ ناجح. فالتاريخ يُعلّمنا أن الشعوب التي تتوحد حول أهدافها الكبرى، وتتمسك بقيمها المشتركة، تكون أقدر على تحقيق تطلعاتها وانتزاع حقوقها. إن العمل المشترك، القائم على الحوار والتفاهم، يُمثّل الطريق الأمثل لاستعادة الحقوق المشروعة، وإيصال صوت تهامة إلى كافة المحافل الوطنية والدولية، بما يعكس صورةً حضاريةً لنضالٍ سلميٍ عادل. كما أن المشاركة الفاعلة في صنع القرار، وتعزيز فرص التنمية المستدامة، تُعدّ من المطالب الأساسية التي لا يمكن تجاهلها. فالتنمية ليست مجرد مشاريع اقتصادية، بل هي عملية شاملة تُعنى بالإنسان أولًا، وتستهدف تحسين جودة حياته، وتمكينه من الإسهام في بناء مستقبله. ومن هذا المنطلق، فإن تحقيق العدالة والمساواة في توزيع الفرص والخدمات يُشكّل حجر الزاوية في أي رؤيةٍ تنمويةٍ عادلة. وفي هذه المناسبة، تتجدد الدعوة إلى توحيد الجهود، وإعلاء قيم العدالة والإنصاف، والعمل بروحٍ وطنيةٍ مسؤولة لإيجاد حلولٍ عادلة تُنهي مظاهر التهميش، وتفتح آفاقًا جديدة أمام أبناء تهامة. إن المستقبل الذي ينشده التهاميون ليس حلمًا بعيد المنال، بل هو هدفٌ مشروع يمكن تحقيقه عبر الإرادة الصادقة، والعمل المنظم، والالتزام بالنهج السلمي. سلامٌ على الأرواح الطاهرة التي صنعت هذا اليوم، وعلى كل من حمل قضية تهامة في قلبه وعقله. ودمتِ يا تهامة، أرضًا للكرامة، ومهدًا للأحرار، وفخرًا يمتد عبر الزمن. ففي يوم الأرض والإنسان، يتجدد العهد بأن تبقى القضية حية، وأن يظل الصوت عاليًا حتى تتحقق العدالة، ويُكتب لتهامة المستقبل الذي تستحقه.