آخر تحديث :الخميس-19 مارس 2026-10:33م

الكوبوي يحلب أبقار الشرق الأوسط… باسم الحماية

الخميس - 19 مارس 2026 - الساعة 01:02 ص
د. أحمد بن اسحاق

بقلم: د. أحمد بن اسحاق
- ارشيف الكاتب


في السياسة الدولية لا تُدار العلاقات بالشعارات، بل بالمصالح. ومن يقرأ صعود دونالد ترامب يدرك أن الرجل لم يأتِ بخطاب دبلوماسي مموّه، بل بلغة صادمة ومباشرة، أقرب إلى صراحة “الكوبوي” منها إلى حسابات السياسيين التقليديين. خلال حملته الانتخابية، لم يُخفِ نظرته إلى حلفائه في الخليج؛ قالها بوضوح إن هذه الدول غنية وعليها أن تدفع مقابل الحماية. لم تكن زلة لسان، بل تصورا كاملا لعلاقة تُختصر في معادلة قاسية: أمن مقابل مال.


وحين وصل إلى السلطة، لم تتأخر الترجمة. انسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، تصعيد ضد إيران، ورفع لمستوى التوتر في المنطقة، يقابله سيل من صفقات السلاح مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. مشهد يُجسّد الفكرة بوضوح: كلما زاد الخوف، ارتفعت الفاتورة، وكلما ارتفعت الفاتورة، ترسّخت علاقة غير متكافئة تُدار بمنطق السوق لا بمنطق الشراكة.


لكن السؤال الأصعب ليس عمّا يفعله "الكوبوي"… بل عمّا تفعله المنطقة بنفسها. التباين في المواقف، والتردد في بناء منظومة أمن جماعي حقيقية، والخلافات العلنية حول آليات الحماية، كلها عوامل جعلت كل دولة تبحث عن مظلتها الخاصة، حتى لو كان الثمن مزيدا من الارتهان. وهنا يعود صدى المثل العربي: "إنما أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض". ليس مجرد حكمة، بل وصف دقيق لمسار يتكرر حين يُترك الخطر يلتهم طرفا بعد آخر بينما يظن الباقون أنهم بمنأى عنه.


حين سقط صدام حسين بعد غزو العراق 2003، ظنّ كثيرون أن الأمر يخصّ العراق وحده. لكن ما تلا ذلك كشف أن انهيار دولة مركزية بهذا الحجم لم يكن حدثا معزولا، بل بداية إعادة تشكيل عميقة للمنطقة، حيث أصبح الضعف مُعديا، والفراغ مغريا للتدخلات. ثم جاءت اليمن، المثال الأكثر إيلاما على حالة اللادولة: سلطة منقسمة، قرار مشتت، وأرض مفتوحة لكل أشكال النفوذ، في ظل غياب موقف عربي حاسم يعيد بناء الدولة بقدر ما رأينا إدارة للأزمة أو احتواء مؤقتا لها. في الحالتين، تتكرر الفكرة ذاتها: حين يُترك الفراغ، لا يبقى فراغا… بل يُملأ بمن يملك الإرادة والقدرة.


اليوم، لم يعد الخليج بعيدا عن هذا المسار كما يتوهّم البعض. فما جرى بعد غزو العراق 2003، وما يتكرّس في اليمن، لم يكن سوى فصول تمهيدية في كتاب واحد عنوانه تفكيك القوة من الأطراف حتى تصل إلى القلب. الخليج الذي يدفع اليوم فواتير الحماية، قد يجد نفسه غدا أمام معادلة أكثر قسوة: الدفع لا يضمن الأمان، بل قد يؤجّل لحظة الانكشاف فقط. وحين يصبح الأمن سلعة، والخوف أداة تسويق، والحماية عقدا قابلا لإعادة التفاوض في كل أزمة، فإن "لكوبوي" لن يتوقف عن الحلب… لأنه ببساطة لم يجد من يوقفه. والمفارقة أن الخطر لا يأتي دائما من الخارج، بل من الداخل حين يُستبدل المشروع بالقابلية، والوحدة بالتباين، والقرار السيادي بالارتهان الدائم. ان قصة المثل التي صاغها العرب منذ قرون ترى اليوم بشكل واقعي: "إنما أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض"… لكن هذه المرة، قد لا يبقى ثورٌ ليروي القصة.