منذ عام 1967، لم تكن مأساة الجنوب في قلة الموارد، ولا في غياب الفرص، ولا حتى في تعقيدات الجغرافيا والسياسة بقدر ما كانت في عقلٍ أدار المشهد… عقلٍ أطلق على نفسه “نخبة”، بينما كان في حقيقته أسير ذاته، وصراعاته، وشهوته للسلطة.
ستة عقود مضت… والوجوه تتغير، لكن العقل واحد.
الأسماء تختلف، لكن المنهج ثابت: صراع على الكرسي، لا مشروع لبناء دولة.
منذ لحظة الاستقلال، دخل الجنوب في دوامة صراعات داخلية لم تكن يوماً من أجل الشعب، بل كانت دائماً من أجل من يحكم. تحولت الثورة إلى صراع رفاق، ثم إلى تصفيات، ثم إلى انقسامات، حتى أصبح الدم الجنوبي أرخص من أي مشروع وطني.
لم تكن المشكلة في غياب الكفاءات، بل في غياب النضج.
فكم من “دكتور” و”أكاديمي” تصدر المشهد، لكنه ظل يفكر بعقلية القرية… عقلية “أنا”، لا عقلية الدولة.
ثم جاءت مرحلة الاغتراب…
هاجر كثير من هؤلاء إلى أوروبا وأمريكا وكندا، وعاشوا في دول القانون والنظام، ورأوا كيف تُبنى الدول وتحترم الشعوب، لكن المفارقة الصادمة أنهم عادوا — أو ظلوا يؤثرون عن بُعد — بنفس العقليات القديمة.
لم يتغير الفكر…
لم يتطور الوعي…
لم تُولد لديهم قناعة أن الدولة ليست غنيمة، بل مسؤولية.
عادوا وهم يحملون جنسيات جديدة… لكن بعقول قديمة.
يعيشون في دول تحترم الإنسان، ويريدون لوطنهم أن يُدار بعقلية الصراع والغلبة.
وهنا تكمن الكارثة.
الشعب في الجنوب لا يبحث عن شعارات، ولا عن خطابات ثورية مكررة، ولا عن صراعات نخبوية لا تنتهي.
الشعب يريد أبسط الحقوق:
أمن…
خدمات…
نظام…
كرامة.
لكن هذه “النخب” لم تفهم ذلك، أو ربما لم ترد أن تفهمه.
لأن فهمه يعني نهاية لعبتهم.
لقد تحولت النخبة — في كثير من نماذجها — من مشروع قيادة إلى عبء على الوطن.
ومن أمل في البناء إلى سبب في استمرار الانهيار.
المشكلة لم تعد في الظروف… بل في من يدّعون أنهم الحل.
والمأساة لم تعد في الماضي… بل في عقلٍ يرفض أن يغادره.
بعد ستة عقود، لم يعد مقبولاً تبرير الفشل.
ولم يعد مقبولاً إعادة تدوير نفس الوجوه ونفس الأفكار ونفس الصراعات.
أيها الذين تسمّون أنفسكم نخبة…
كفى.
ارحموا الجنوب من طموحاتكم الشخصية،
ومن صراعاتكم التي لا تنتهي،
ومن عقولكم التي رفضت أن تتطور رغم كل ما رأته من تجارب العالم.
إن كنتم صادقين… فحرروا أنفسكم أولاً.
حرروا عقولكم من وهم السلطة،
ومن عقلية “أنا”،
ومن إرث الصراع الذي لم يجلب للجنوب سوى الألم.
وإن لم تستطيعوا…
فاتركوا المكان لمن يفهم أن الأوطان لا تُدار بالرغبات، بل تُبنى بالعقل.
بعد ستين عاماً من الفشل، لم يعد السؤال: ماذا يريد الجنوب؟
بل أصبح السؤال الحقيقي: متى تتوقف هذه النخب عن العبث بمصير شعبٍ يستحق الحياة؟