بعد المشادات والتجاذبات حول رواتب الجيش، وجدت نفسي – وأنا الصحفي الذي يرى في الكلمة أمانة – مدفوعًا لأن أكتب مع هذا الجيش الجرّار العظيم؛ جيشٍ يستحق أن ينحني له قلمي إجلالًا، وأن يتذلل خضوعًا لبطولته وهو يقف في وجه الطغاة والفاسدين.
ولعلّي أبدأ بحادثة شخصية، كرواية واقعية بسيطة حدثت معي.
بعد استشهاد أخي – رحمه الله وغشاه بواسع رحمته – واجهتنا مشكلة في رواتب الشهيد. كنت أطالب بتحويلة للرعاية، لكنهم ألغوها. كنت أذهب إلى الرعاية فيقولون إن الاسم ليس عندهم، وأن الرواتب عائدة للمنطقة أو للواء ولم تنزل بعد. ظللت أتنقل بينهم، أبحث عن حق أخي، حتى كتبت منشورات عدة، إلى أن وصلت إلى مدير الرعاية. جلس معي وأقنعني أن اسم أخي ليس عنده، وأن رواتبه لدى المالية عند القباطي.
اشتعل الغضب في صدري، وكتبت مقالًا في إحدى المجموعات التي تضم أصحاب القباطي، دون أن أعلم أنه موجود فيها. لم يمض وقت طويل حتى اتصل بي أحد أصحابه وقال: أحتاجك للضرورة. التقيت به، فقال لي: اركب معي، الفندم يريدك. سألته: أي فندم؟ قال: القباطي.
وصلت إليه. جلس يحدثني طويلًا عن كيف وصلنا إلى مأرب من أجل الحفاظ على الأبطال، وأن هؤلاء هم أغلى ما نملك، وأن الشهيد لا يمكن أن يُؤكل حقه أمامه. كانت محاضرة طويلة مليئة بالكلمات الهادئة والتواضع، لكن – ويا للمفارقة – لم تُحل المشكلة، بل أنكر أن رواتب الشهيد عنده أصلًا.
عدت حينها واتصلت بأبي وأمي، وقلت لهما: ادعوا عليهم… لقد أكلوا رواتب الشهيد. ثم أرسلت للوالد مصاريف تساعدهم قليلًا على مواجهة الحياة.
واليوم، يلعبون بالجيش بهذه الطرق؛ احتيال وفساد وسرقة لم يعرفها اليمن في عهد أي حاكم كما يعرفها في هذا الزمن المليء بالقاذورات. زمنٌ يُهدر فيه راتب الجندي، ويُسلب فيه حق الشهيد.
كلما هُدر راتب جندي في هذا الجحيم الموبوء بالمجرمين والمرتزقة، ارتعدت سماء اليمن من هول السرقة والفساد، وارتفع صراخ الثكالى والأطفال في الخيام، يبحثون عن كسرة خبز تسد رمق الجوع.
ومع اتساع رقعة هذه المعارك الضارية – معارك الفاسدين واللصوص – تبقى أنت وحدك، أيها الجندي، شامخًا. تقاتل غربان الحوثيين، وتناضل بعنفوانك وشهامتك، متحديًا النيران المسلطة عليك من هذه الزمر المتوحشة. كلما اشتد الظلام حولك، ازددت التزامًا برسالتك الصعبة، مستنيرًا بوعدك وقسمك، وحياتك المعلّقة على فوهة سلاحك، كأنها وردة فوّاحة تهديها للوطن.
هل هذا هو الوفاء، يا قادة الشرعية، للجيش؟
دخل الوطن معتركًا من القضايا الشائكة والمعقدة، وبقي الجيش الوطني معيار أمانة الناس وثقتهم، الحقيقة التي توحّد أبناء اليمن تحت سماء واحدة.
أيها الجيش…
كلما حاولوا النيل منك، ونصبوا لك الكمائن ليقللوا من جهادك ويربكوك لتترك موقعك، ظللت قويًا، شامخًا، صنديدًا.
مضيت إلى المخاطر التي سيّجت دربك، لا بالعتاد الثقيل وحده، ولا بقوة السلاح فقط، بل بسلاح الإيمان بالوطن حرًا سيدًا، وبقسم الشرف المحفور على جبينك، الذي يذكرك أن لا نوم هنيئًا للجندي وسيف العدوان مسلط على أرضه.
وقفت تقاتل الغربان الواقفة على قمم الجبال، الناعية موت الوطن وزوال إنسانه وهويته، ومعهم أولئك القابعون في الفنادق والشاليهات، يصنعون معاركهم الوهمية، وكلٌّ منهم يلقي برواتبكم على الآخر.
قدمت القوافل من الشهداء في معارك ضارية اختلط فيها الحابل بالنابل، حتى امتلأت الجبال والصحاري بالدماء في معارك استمرت ليالي طويلة وساعات قاسية.
أجل، لقد مضيت إلى حيث الواجب لا يتمهل ولا ينتظر، وعلى كتفك تلك المهمة القاسية المراهنة عليك لخروج اليمن من هذه المحنة منتصرًا، مهما كان الثمن باهظًا، ولصد كل من ينتهك قدسية هذه الأرض ويعيث فيها موتًا وفسادًا.
دفاعك البطولي الشرس عن هذا الوطن – وطنك – المستباحة حدوده للمخططين لهلاكه وتدميره على رؤوس أبنائه كما زعموا مرات ومرات، يجعل الراية مرفوعة في وجه الدخان والنار، ويجبر المتآمرين ومرتكبي أبشع الجرائم على مراجعة حساباتهم في حق بلد شعاره السلام والحرية والتعايش.
تساقطت الرتب والنياشين، وبقيت أنت أيها الجيش، المكوَّن من أبناء الفلاحين والفقراء والقبائل البسطاء حاملين شهادات الماجستير والدكتوراه والبكلاريوس .
واليوم يعتلي المناصب من لم تختاروهم أنتم ولم تقبلوا بهم، أولئك الذين كانوا يرسمون صورة الأنظمة السابقة على أنها فاسدة ويتحججون بأن علي عبدالله صالح قد ذهب. كانوا يقولون عنه فاسدًا، لكننا نراهم اليوم أفسد من أي زمن مضى.
على ضميرك، أيها الجندي، استقر أمن بلادي.
اسمك وطن… أنت والوطن من جبلة واحدة، من أنفاس واحدة، من خفقة قلب واحدة.
في هذه الأيام المرّة، نسأل القدر عن مصير الوطن فيدلّنا عليك؛ أنت المشرّش في هذه الأرض، الملتف كبلابٍ أبدي حول جذوعها. نطمئن حين نرى خوذتك، ونستبشر حين نلمس لباسك المرقط. نطمئن إلى الهوية والكيان.
فالجيش لا يحارب الوهم، وليس بأسماء وهمية كما يدّعون. زوروا جبالهم وحيودهم وصحاريهم ورمالهم، فهناك الجنود حاضرون بين الرياح والغبار وحرارة الشمس… بل هو حقيقة هذا الوطن. إن مات متنا ميتته، وإن انبعث حيًا انبعثنا معه.
أما آن للمواطن أن يشهر سيفه في وجه الإقطاعية والإقطاعيين؟
هذا جيش جاء من الوطن وله وحده. جيش قام ليحفظ السيادة والجمهورية، ملتزمًا عقيدة وطنية خالصة. قوته بذاته، وهو البقية الباقية… فله منا كل الدعم والتأييد.
اليوم يواجه جيشنا أكبر طغمة من الفاسدين، كتلة من المجرمين النهابة الذين لا يعرفون معنى الحياة. لكننا نقول لهم: مهما استمر فسادكم، ستعود دولة المؤسسات. فعندما تُستعاد صنعاء سيسقط فساد تجار الحروب، وسينتهي هذا العبث الذي طال أمده.
والتحية لميلاد الفجر في العيون المكحلة بلون الدم، للأسماء التي تشرق مع نداء الواجب. لهم الكلام في صمت الأسى، يأتي كلما أقبل موعد شهيد على طريق التضحية.
فكلما سقط جندي من جنودنا البواسل على أرض المعركة… أشاحت نجمة في السماء بوجهها خجلًا.