بقلم: حسين علي باهميل
من أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعاً خرج من صراعات دامية ليس فقط حجم الدم الذي أُريق، بل تشوه الذاكرة الجماعية.
وحين تتشوه الذاكرة، يصبح المجتمع قادراً على فعل ما يبدو مستحيلاً:
أن يدافع الأبناء عن قتلة آبائهم.
هذه ليست مبالغة خطابية، بل حالة نفسية معروفة في علم النفس تسمى متلازمة استوكهولم ؛ وهي ظاهرة يتعاطف فيها الضحية مع من مارس عليه العنف أو القهر، بل قد يتحول إلى مدافع عنه ومبرر لأفعاله.
وإذا كانت هذه الحالة تُدرس عادة في حالات الاختطاف أو الأسر الفردي، فإن ما حدث في بعض المجتمعات السياسية هو نسخة جماعية منها، حيث تتحول الصدمة التاريخية إلى ولاء سياسي.
وفي الجنوب العربي، تبدو هذه الظاهرة واضحة في الطريقة التي يتعامل بها بعض الناس مع مرحلة دامية من التاريخ، تلك المرحلة التي امتدت من عام 1967 حتى أوائل السبعينيات.
الجنوب الذي ابتلع أبناءه
بعد خروج الاستعمار البريطاني، دخل الجنوب مرحلة صراعات داخلية حادة.
لم تكن مجرد اختلافات سياسية، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى عمليات تصفية جسدية واغتيالات واختفاءات قسرية طالت عدداً كبيراً من المناضلين والشخصيات الاجتماعية والقيادات القبلية.
اختفى رجال كانوا جزءاً من النضال ضد الاستعمار.
اختفت أسماء من الذاكرة الرسمية.
وضاعت قبور كثير من الضحايا.
لم تُفتح ملفات.
لم تُكتب تقارير.
لم تُشكل لجان حقيقة.
بل حدث ما هو أخطر من ذلك:
تمت إعادة كتابة الرواية التاريخية بطريقة تجعل الجلاد بطلاً، والضحية مجرد تفصيل صغير في الطريق إلى السلطة.
المفارقة التي لا يصدقها العقل
لكن الصدمة الحقيقية لا تكمن فقط في تلك الجرائم،
بل في ما حدث بعد نصف قرن.
فاليوم نرى بعض أبناء أولئك الضحايا أنفسهم أكثر الناس حماساً للدفاع عن القوى أو الشخصيات التي ارتبط اسمها بتلك المرحلة.
نراهم يرفعون صوراً،
ويهتفون بأسماء،
ويخوضون معارك إعلامية وسياسية دفاعاً عن رموز تلك الحقبة.
لكنهم لا يطرحون السؤال البسيط الذي يجب أن يسبق كل الشعارات:
أين قبر أبي؟
أين اختفى عمي؟
من اغتال المناضل فلان؟
من أصدر الأمر؟
ومن نفذ؟
ومن أخفى الحقيقة؟
هذا الصمت ليس مجرد تجاهل للتاريخ،
بل هو إلغاء متعمد للذاكرة.
حين يتحول الخوف إلى قناعة
لفهم هذه الظاهرة لا بد من النظر إلى السياق النفسي والاجتماعي.
المجتمعات التي تعيش فترات طويلة تحت سلطة سياسية صارمة، أو تحت رواية تاريخية واحدة، تتعلم مع الوقت أن التكيف مع الرواية الرسمية أسهل من مواجهتها.
ومع مرور السنوات، يتحول هذا التكيف إلى قناعة.
وتتحول القناعة إلى دفاع.
ثم يتحول الدفاع إلى حماسة أحياناً تفوق حماسة أصحاب الرواية أنفسهم.
وهنا يظهر الشكل السياسي لمتلازمة ستوكهولم.
فالضحية لا يكتفي بالصمت عن الجريمة،
بل يبدأ في تبريرها والدفاع عن مرتكبيها.
الخطر على المستقبل
الخطر الحقيقي لهذه الظاهرة ليس في الماضي، بل في المستقبل.
فالمجتمع الذي لا يواجه تاريخه بصدق،
ولا يسأل عن جرائمه،
ولا يحاسب على أخطائه…
هو مجتمع مهيأ لتكرار المأساة نفسها.
لأن الجريمة التي لا تُكشف حقيقتها
لا تموت.
بل تبقى كامنة في الذاكرة،
وتظهر في كل أزمة سياسية جديدة.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قضية عادلة هو أن تُبنى على ذاكرة ناقصة أو رواية مشوهة.
الطريق إلى الشفاء
المجتمعات لا تتعافى بالنسيان،
بل بالحقيقة.
ولذلك فإن العلاج الحقيقي لأي صدمة تاريخية يقوم على ثلاثة أعمدة أساسية:
أولاً: كشف الحقيقة كاملة.
فتح الملفات القديمة، وتوثيق الاغتيالات والاختفاءات القسرية، وكتابة التاريخ كما حدث لا كما أُريد له أن يُكتب.
ثانياً: العدالة التاريخية.
ليس بالضرورة أن تكون عدالة انتقام، بل عدالة معرفة واعتراف.
أن يُعرف من قُتل، ولماذا قُتل، ومن قتله.
ثالثاً: إعادة بناء الوعي.
حتى لا تتكرر المأساة مرة أخرى.
الحقيقة التي يجب أن تُقال
إن القضية العادلة لا تحتاج إلى تزوير التاريخ كي تعيش.
ولا تحتاج إلى تحويل القتلة إلى أبطال كي تُقنع الناس.
القضايا العادلة تقف على الحقيقة والعدالة والذاكرة الصادقة.
أما حين يصبح المجتمع عاجزاً حتى عن طرح السؤال البسيط:
أين قبور الضحايا؟
فإن المشكلة لا تكون فقط في الماضي… بل في الوعي الذي تشكل حول ذلك الماضي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب ليس أن يُقتل مناضلوه، بل أن يأتي يوم يدافع فيه أبناؤهم عن قاتليهم.
حينها لا تكون الجريمة قد انتهت…
بل تكون قد نجحت نجاحاً كاملاً.