آخر تحديث :الجمعة-13 مارس 2026-11:02م

الخليج بين ضفتيه الشرقية والغربية

الجمعة - 13 مارس 2026 - الساعة 04:49 م
مشاري الذايدي

بقلم: مشاري الذايدي
- ارشيف الكاتب


هذا المخلوق المائي المنبثق من ينبوع الزمن الأول، الموسوم بالخليج العربي أو خليج فارس، شاهد على حضارات وقوافل بحرية وسلام وحروب ومغامرات وأساطير، لعل من أخلدها أسطورة جلجامش.

كان لمتشاركيه على الضفتين الشرقية والغربية أن يجعلوا من هذا البحر مرسول سلام ووسيط وئام وحامل خير للجميع، بدل أن يكون سطحه وجوفه منبع حروب ومصدر فتن ومبعث خوف وكراهية ومزرعة ألغام كما فعل الساكن الشرقي للخليج مراراً وتكراراً.

العرب الذين يسكنون خليجهم منذ الأزل من بره الغربي لبره الشرقي، حيث كانت إمارات عربية أصيلة على «بر فارس» وجزره، ليس هذا موضع سردها، هؤلاء العرب اليوم، يسمون الخليجيين أو «الخلايجة» كما يقال في مصر وغيرها، حققوا معجزة تنموية ومثالاً منيراً في ميدان الاقتصاد والتجارة والتعليم، وصارت دول الخليج موئلاً لملايين البشر من عرب وغير عرب للعمل وتحقيق قصص نجاحهم الخاصة.

لكن هل هذه الدول: الكويت والبحرين وقطر والإمارات وعمان والسعودية... أغنى من جارتهم الشرقية: إيران؟!

البترول والغاز هما عنوان الثروة في الخليج، أو هكذا هي الصورة المستقرة في الأذهان... طيب ماذا عن إيران على هذا المعيار؟!

التقارير تقول إن إيران هي ثالث أكبر منتج للنفط في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك). إنتاجها نحو 3.3 مليون برميل يومياً، فضلاً عن 1.3 مليون برميل يومياً من المكثفات وغيرها من السوائل بما يمثل 4.5 في المائة ⁠فحسب من الإمدادات العالمية.

بل لدى إيران مزايا طبيعية واقتصادية وثروات تتفوق بها على دول الخليج! خذ لديك الزراعة، فإيران قوة زراعية إقليمية بإنتاج سنوي يتجاوز 117 مليون طن من المحاصيل الزراعية والحيوانية.

أراضيها الزراعية تغطي نحو 17 مليون هكتار. يساهم هذا القطاع بنحو 11 في المائة إلى 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بل إن البلاد تكتفي اكتفاءً ذاتياً في كثير من الأغذية.

لديها كثافة سكانية عالية، وتضاريس جغرافية رائعة وحدود واسعة من قلب وشرق آسيا إلى غربها وجنوبها، لديها تنوع بشري رائع وفرص سياحية أروع وميراث تاريخي بديع، بل لديها شيء ليس بدول غرب الخليج، وهو الرابطة العاطفية مع الحضارة الغربية بدعوى الرابطة «الآرية» وغير ذلك من المزايا المادية وغير المادية... ماذا فعلت بهذا كله، بل لنقل ماذا فعل النظام الخميني بهذا كله؟! ما فعله هو احتراف الفوضى وامتهان التنمية وتقديس الحروب وتخليد الخرافة الثورية الممتزجة بين أمشاج الشعارات اليسارية والقومية والأصولية والملحمية المهدوية، في مزيج منفجر بنفسه ومفجر لغيره.

الثروات المادية والمزايا الجغرافية لا قيمة لها إذا لم تقدر على إدارتها وتثميرها والذهاب بها إلى مرابع جديدة «إدارة رشيدة».

هذه الإدارة الرشيدة هي ثروة دول الخليج الحقيقية، وإلا فإن هناك دولاً عربية وغير عربية في العالم تملك الكثير والغزير من النعم لكنها بلا إدارة رشيدة فماذا استفادت؟!

الأمثلة كثيرة لكن ليس الغرض إحراج أي أحد أو التفاخر عليه، بل هي لفتة للتأمل، ودعوة لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد من جيراننا على كتف الخليج الشرقي للتبصر والتفكر في «أصل الداء».