في قواميس السياسة والحرب، تُدرس قاعدة ذهبية مفادها: "لا تفتح جبهات متعددة في آن واحد"، فالعاقل هو من يرتب أولويات المواجهة ويحشد قواه لكسر عدو واحد بدلاً من تشتيتها أمام جبهات عريضة.
لكن، وبنظرة فاحصة على المشهد الملتهب اليوم بين إيران من جهة، والثنائي "أمريكا وإسرائيل" من جهة أخرى، نجد أن هذه القاعدة تغيب تماماً عن الوعي الرسمي العربي، لصالح معادلة مشوهة تدفع بالمنطقة نحو المجهول.
ان الرؤية الجوهرية الغائبة عن طاولات القرار العربي؛ هي التمييز بين "العداوة" و"الجغرافيا". فإيران، وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع سياساتها، هي جار دائم وجزء أصيل من جغرافيا المنطقة، بينما تظل إسرائيل كياناً طارئاً وجاراً مؤقتاً لا يملك جذوراً تضمن له مستقبلاً بين شعوب المنطقة.
إن الخلل في "البوصلة العربية" يكمن في اعتبار الجار الدائم عدواً مطلقاً، بينما يتم غض الطرف عن حقيقة أن إسرائيل هي العدو التاريخي والدائم للأمة بأسرها، بما في ذلك القوى الإقليمية التي تتصادم معها اليوم. فإسرائيل هي الجار الدائم والعدو الوجودي.
المفارقة الصارخة تكمن في الدور الأمريكي؛ حيث تبدو واشنطن في هذا الصراع وكأنها مجرد "عضلات" تُسخر لخدمة العقل الاستراتيجي الإسرائيلي. والتاريخ القريب خير شاهد:
* في حرب العراق: لم تحصد أمريكا سوى الخسائر المادية والبشرية وتراجع النفوذ، بينما كانت إسرائيل هي الرابح الأكبر بتفتيت جيش عربي قوي.
* في الصراع مع إيران: تسير أمريكا على ذات النهج؛ فهي التي ستتحمل تكاليف المواجهة وتبعاتها الاقتصادية والسياسية، بينما تجني إسرائيل ثمار "سياسة التهشيم" لدول المنطقة واحدة تلو الأخرى.
"أمريكا تخسر، وإسرائيل تربح.. هذه هي الحقيقة العارية التي ترفض واشنطن الاعتراف بها، بينما يغرق العرب في ترتيب أولويات خاطئة." والخلاصة ان أمريكا هي العضلات التي تحركها الإرادة الإسرائيلية.
إن الدفع باتجاه صدام مباشر مع إيران ليس الهدف منه حماية المصالح الأمريكية أو الأمن العربي، بل هو تنفيذ لاستراتيجية إسرائيلية تهدف إلى "تهشيم" أي قوة إقليمية صاعدة.
في هذه المعركة، تخسر أمريكا هيبتها واستقرارها الاقتصادي، وتخسر المنطقة تماسكها، لتخرج إسرائيل وحدها كـ "الرابح الوحيد" فوق أنقاض الدول المنهكة. وتلم هي استراتيجية التهشيم التي تصب في مصلحة اسرائيل.
*وعي غائب وقرار مرتهن.*
إن المعادلة الغائبة عن الوعي العربي الرسمي هي إدراك أن الصراع الحالي يُدار بأدوات أمريكية لخدمة أهداف توسعية إسرائيلية.
فهل يدرك حكام العرب أن استنزاف الجار "الدائم" لصالح الكيان "المؤقت" هو انتحار استراتيجي؟
الحقيقة التي يتجاهلها الامريكان في هذه الحرب، هي ان أمريكا هي الأداة الخاسرة، وإسرائيل هي المستفيد الأوحد من حريق يلتهم الجميع.