آخر تحديث :الجمعة-29 مايو 2026-09:37م

حين تتحول المواقف إلى اصطفافات عمياء

الجمعة - 13 مارس 2026 - الساعة 03:45 ص
هارون ابراهيم الواقدي

في أزمنة الحروب، لا تختلط الوقائع بقدر ما تختلط البوصلة الأخلاقية لدى كثيرين. فجأة يصبح العالم بالنسبة للبعض مجرد معسكرين: من هو ضد أمريكا وإسرائيل فهو على حق مطلق، ومن يقف في الجهة الأخرى فهو على باطل مطلق. وبين هذين الحدين تختفي الحقائق المعقدة التي تشكل الواقع فعلاً.

اليوم نشهد مشهدًا مشابهًا مع التصعيد الدائر حول إيران. فالهجوم الأمريكي الإسرائيلي عليها أثار موجة تضامن واسعة في الشارع العربي، وهذا أمر طبيعي لأن المنطقة خبرت طويلًا معنى الهيمنة العسكرية الغربية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التضامن إلى عمى سياسي يمنع رؤية أخطاء الطرف الذي نتعاطف معه.

إيران ليست مجرد دولة تتعرض لضربة خارجية، بل هي أيضًا لاعب إقليمي مارس نفوذًا واسعًا في أكثر من ساحة عربية، من العراق إلى سوريا واليمن ولبنان. كما أن إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه دول الخليج لا يمكن اعتباره تفصيلاً صغيرًا في معادلة الحرب، حتى لو قُدم تحت عنوان الرد أو رفع كلفة المواجهة.

الخطأ في قراءة المشهد ليس في إدانة الحرب على إيران، بل في الاعتقاد أن هذه الإدانة تفرض علينا الصمت عن أي سلوك آخر. فالمواقف الأخلاقية لا تعمل بمنطق المقايضة: لا يمكن أن تدين عدوانًا وتبرر عدوانًا آخر في اللحظة نفسها.

المفارقة أن التاريخ العربي مليء بلحظات دفعت فيها المنطقة ثمن هذا النوع من التفكير الأحادي. ففي كثير من الأحيان انشغل الناس بالصراع مع القوى الكبرى لدرجة أنهم تجاهلوا أخطاء وقعت داخل البيت العربي نفسه، ثم اكتشفوا لاحقًا أن تجاهل تلك الأخطاء لم يمنع الكوارث بل ساهم في تعقيدها.

ما يحدث اليوم قد يقود إلى نتائج مشابهة. فاستهداف دول الخليج بالصواريخ أو التهديد بإرباك أسواق الطاقة لن يحقق لإيران تعاطفًا إقليميًا، بل قد يدفع تلك الدول إلى مزيد من القلق والتسلح وربما الاصطفاف في تحالفات أوسع ضدها. وفي النهاية ستكون المنطقة كلها هي الخاسر الأكبر.

الأخطر من ذلك أن هذا المسار يمنح بعض القوى الغربية ذريعة جاهزة لتسويق خطاب قديم يقول إن الخطر الحقيقي على الخليج ليس إسرائيل بل إيران، وهو الخطاب الذي استُخدم مرارًا لدفع المنطقة نحو سباقات تسلح وتحالفات مكلفة.

العدالة السياسية لا تعني اختيار طرف واحد في كل الأحوال، بل تعني القدرة على قول الحقيقة حتى عندما تكون معقدة أو غير شعبية. يمكن للإنسان أن يرفض الحرب الظالمة على إيران، وفي الوقت نفسه يرفض أي تهديد لأمن دول الجوار. هذان موقفان لا يتناقضان، بل يكمل أحدهما الآخر.

المشكلة ليست في الأحداث وحدها، بل في الطريقة التي نقرأ بها تلك الأحداث. فإذا استمرت القراءة بعين واحدة، فسنكرر أخطاء كثيرة ظننا أننا تعلمنا منها.

وفي النهاية، تبقى قاعدة بسيطة يجب ألا تغيب عن النقاش:

العدل لا يُجزأ، ومن يفقد القدرة على رؤيته كاملًا يفقد القدرة على فهم ما يحدث حوله.