آخر تحديث :الخميس-12 مارس 2026-10:57م

الحقد المجوسي... لماذا يستهدف المشروع الفارسي كل ما هو عربي؟

الخميس - 12 مارس 2026 - الساعة 09:35 م
حسين علي باهميل

بقلم: حسين علي باهميل
- ارشيف الكاتب


من أكبر الأخطاء التي وقع فيها كثير من العرب أنهم فهموا الصراع في منطقتنا على أنه صراع مذاهب. فاختزلوا المشهد في معادلة سنّي وشيعي، وكأن المشكلة بين طوائف تتنازع على تفسير الدين. لكن الواقع الذي تؤكده الأحداث والتجارب يقول شيئاً مختلفاً تماماً:

الصراع الحقيقي هو صراع على الهوية العربية نفسها.

فالمشروع الفارسي – الذي يلبس اليوم عباءة الدين والمذهب – لم يكن يوماً مشروعاً مذهبياً بقدر ما هو مشروع قومي توسعي يرى في المنطقة العربية مجالاً طبيعياً لنفوذه.

ولهذا فإن المجوس – أو المشروع الفارسي بوجهه السياسي – لا يميّزون في عدائهم بين عربي شيعي أو عربي سنّي أو حتى عربي مسيحي.المشكلة عندهم ليست في المذهب، بل في شيء اسمه العربي.

ولهذا أيضاً نرى أن كل الساحات التي تمدد فيها هذا المشروع تحولت إلى ساحات نزيف عربي.

في العراق، لم يسلم العرب من التهميش رغم أنهم يشكلون العمود الفقري للدولة.

وفي سوريا، تحولت البلاد إلى ساحة نفوذ تتقاسمها المليشيات العابرة للحدود.

وفي لبنان، أصبح القرار الوطني مرتهناً لقوة مسلحة مرتبطة بالمشروع الإيراني.

وفي اليمن، تحولت المليشيا الحوثية إلى أداة لتمزيق الدولة واستنزاف المجتمع.

وفي كل هذه الساحات، الضحية الحقيقية كانت الدولة العربية، والإنسان العربي، والمجتمع العربي.

الأكثر خطورة من ذلك أن هذا المشروع نجح في خداع بعض العرب، فصور لهم نفسه حليفاً للمستضعفين، أو نصيراً لفلسطين، أو مدافعاً عن قضايا الأمة. بينما الواقع على الأرض يقول إن النتيجة في كل مرة كانت تفكيك الدول العربية وتحويلها إلى ساحات صراع دائم.

إن قراءة التاريخ تكشف أن جذور العداء بين المشروع الفارسي والعرب ليست وليدة اللحظة، بل تمتد إلى قرون طويلة من الصراع على النفوذ والهوية.

لكن الأخطر أن هذا الصراع عاد اليوم بوجه جديد، مستخدماً أدوات أكثر خطورة: الطائفية، المليشيات، والحروب بالوكالة.

ولهذا فإن من يعتقد أن المشكلة مجرد خلاف مذهبي يقع في خطأ قاتل. لأن الحقيقة أبسط وأوضح:

المشكلة في نظر هذا المشروع ليست سنّي أو شيعي… بل عربي.

ومن المؤلم أن بعض العرب ما زالوا يراهنون على هذا المشروع، ظناً منهم أنه يمكن أن يكون حليفاً أو سنداً. لكن التجربة أثبتت أن من يفتح الباب لهذا المشروع، يفتح الباب أيضاً لسنوات طويلة من الفوضى والانقسام.

بل إن بعض المفكرين العرب ذهبوا إلى القول إن حجم العداء الذي يحمله المشروع الفارسي للعرب يفوق أحياناً ما تحمله الصهيونية نفسها.

لكن إدراك هذه الحقيقة لا يعني أبداً الارتماء في حضن المشروع الصهيوني، أو القبول به كبديل. فالصهيونية أيضاً مشروع معادٍ للأمة العربية، قام على اغتصاب الأرض وتشريد الشعب الفلسطيني.

ولهذا فإن الخطأ الأكبر الذي يمكن أن يقع فيه العرب هو الانتقال من حضن مشروع معادٍ إلى حضن مشروع معادٍ آخر.

الحل الحقيقي لا يكون بالارتماء في أحضان الآخرين، بل ببناء المشروع العربي القادر على حماية نفسه.

ولهذا نلاحظ حقيقة تاريخية واضحة:

كلما بدأ العرب في التقارب، وكلما ظهرت بوادر مشروع عربي جامع، تكالبت عليهم القوى المعادية من كل اتجاه.

وما يحدث اليوم في المنطقة ليس بعيداً عن هذه القاعدة. فكل مشروع عربي يسعى إلى استعادة الاستقرار أو بناء التنمية، يصبح هدفاً مباشراً للمشاريع التي تعيش على الفوضى.

لذلك فإن المعركة الحقيقية التي تواجه العرب اليوم ليست معركة مذاهب، ولا صراع طوائف، ولا منافسة بين أنظمة.

إنها معركة وجود وهوية ومستقبل.

معركة بين أمة تحاول أن تستعيد مكانتها في التاريخ، ومشاريع تعمل بكل قوتها لمنعها من النهوض.

ولهذا فإن الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل عربي واضحة وبسيطة:

اعرفوا أعداءكم جيداً… واتركوا عداوتكم البينية.

فالأمة التي تستهلك قوتها في صراعات داخلية، وتستنزف طاقتها في معارك بين أبنائها، لن تجد القوة الكافية لمواجهة من يتربص بها من الخارج.

لقد آن الأوان للعرب أن يدركوا أن أخطر ما يواجههم ليس فقط أعداءهم، بل جهلهم بحقيقة أعدائهم.

فهل يستوعب العرب الدرس قبل أن تضيع بقية الأوطان؟

ان الأمة العربية أمام لحظة تاريخية فاصلة:

إما أن تستيقظ وتدرك أن قوتها في وحدتها وهويتها ومشروعها العربي،

وإما أن تبقى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.

ولهذا فإن الرسالة التي يجب أن يسمعها كل عربي اليوم هي:

لا تكونوا وقوداً لمعارك أعدائكم…

كونوا أمة تعرف عدوها، وتعرف نفسها، وتعرف الطريق إلى مستقبلها