بقلم: حسين البهام
في عالم السياسة، لا تبقى الجغرافيا مجرد خطوط صمّاء على الخرائط، بل تتحول في لحظات التحولات الكبرى إلى ميادين للصراع على البقاء والنفوذ. وما يشهده الشرق الأوسط اليوم من صدام محتدم بين المشاريع الإقليمية المتصارعة ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل هو زلزال جيوسياسي تتداخل فيه الأيديولوجيا بالاستراتيجية، حيث يسعى كل طرف لفرض رؤيته لمستقبل المنطقة.
ومع انشغال التحليلات بوقع المدافع، يظل السؤال الأهم معلقًا حول ما سيلي انقشاع الغبار؛ فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تنتهي بوقف إطلاق النار، بل تبدأ بعدها المرحلة الأخطر: مرحلة إعادة رسم موازين القوى وتشكيل النظام الإقليمي الجديد. وهي لحظات مفصلية تتطلب قيادات سياسية تمتلك بصيرة استثنائية لاستباق النتائج وحماية المصالح الوطنية.
بالنسبة لنا في اليمن، تبدو الصورة أكثر قتامة وتعقيدًا؛ فنحن نقع في قلب هذا الإعصار الاستراتيجي، بينما نمر في الوقت ذاته بمرحلة هشاشة داخلية حادة وانقسامات تآكلت معها بنية الدولة ومؤسساتها. وفي هذا الواقع المرير تتضاعف المخاطر، إذ غالبًا ما تتحول الدول الضعيفة إلى ساحات خلفية لتصفية الحسابات، أو أوراق تفاوض في صراعات الكبار.
إن أي تراجع في نفوذ طرف إقليمي، أو اضطراره إلى تسويات كبرى، سيعيد بالضرورة تشكيل خارطة النفوذ في المنطقة، مما يضعنا أمام تحدٍ وجودي: فإما استعادة القدرة الوطنية وتحصين القرار السيادي، أو الاستسلام لترتيبات إقليمية تُفرض علينا من الخارج وتجعل منا مجرد تابع في معادلة الآخرين.
من هنا تبرز الحاجة الملحّة لإعادة ترتيب الأولويات السياسية؛ فاستمرار الانقسام ليس سوى انتحار سياسي يجرّد البلاد من قدرتها على المناورة في عالم لا يحترم إلا الأقوياء. إن اللحظة التاريخية الراهنة تفرض علينا تجاوز الحسابات الضيقة والبحث عن مشروع وطني جامع يقوده رجال دولة يمتلكون الشجاعة والكفاءة لتجاوز الأنقاض.
إن من يتصدرون اليوم المجلس الرئاسي ليسوا أهلًا لهذه المرحلة؛ فالحفاظ على ما تبقى من كيان الدولة لن يتحقق إلا بوحدة الصف والواقعية السياسية. فالمستقبل لا ينتظر المترددين، بل ينحاز لمن يجرؤ على صناعة قراره بيده.
إننا اليوم أمام مفترق طرق حاسم: فإما استعادة زمام المبادرة والتحول إلى فاعل إقليمي متماسك، أو البقاء كساحة مستباحة لصراعات الإرادات الدولية. وبين هذين الخيارين يُكتب مصير وطن بأكمله.
فهل حان الوقت لإعادة ترتيب البيت اليمني بقيادات وطنية قادرة على رسم الخارطة السياسية لهذا البلد؟ أم أن الوطن قد رُهن وأصبح استرجاعه أكثر صعوبة؟