آخر تحديث :الأربعاء-11 مارس 2026-11:00م

ثِقَلُ الحقيقة

الأربعاء - 11 مارس 2026 - الساعة 08:15 م
سارة عبدالحكيم

بقلم: سارة عبدالحكيم
- ارشيف الكاتب



الحقيقة ليست دائمًا ما نجهله… بل كثيرًا ما تكون ما نعرفه جيدًا، ونخشى أن نراه بوضوح.

فالمعرفة في ذاتها ليست عبئًا، لكن الاعتراف بها قد يكون كذلك. لأن لحظة الاعتراف تُسقط الأعذار، وتُعرّي الصمت، وتجعل الإنسان يقف وجهًا لوجه أمام ما كان يتجاوزه كل يوم.

نحن لا نهرب من الحقيقة لأنها غامضة، بل لأنها واضحة أكثر مما ينبغي.

واضحة إلى الحد الذي يجعل تجاهلها نوعًا من الراحة المؤقتة، ويجعل مواجهتها بداية طريق طويل من الأسئلة التي لا يمكن الرجوع عنها.

في الحياة اليومية، تمر الحقائق الصغيرة بجانبنا بلا ضجيج:

خطأ نراه ونسكت عنه، واقع نلمحه ولا نناقشه، فكرة نؤجل قولها لأننا نعلم أن قولها سيغيّر شيئًا في توازن العلاقات أو في شكل الواقع الذي اعتدنا عليه.

وهكذا، لا تختفي الحقيقة… لكنها تُؤجَّل.

ثِقَلُ الحقيقة لا يكمن في قسوتها بقدر ما يكمن في ما تفرضه علينا.

فحين يدرك الإنسان الأمور كما هي، لا كما يحب أن يراها، يصبح من الصعب عليه أن يعود إلى السذاجة الأولى، أو إلى تلك الطمأنينة البسيطة التي يمنحها الجهل أحيانًا.

ولهذا، يميل كثيرون إلى تخفيف وطأة الحقيقة بالسكوت عنها، أو إحاطتها بكلمات عامة لا تقول شيئًا محددًا.

إنها محاولة غير معلنة لجعل الواقع أخف مما هو عليه، ولإبقاء الأشياء في مكانها حتى لو كانت بحاجة إلى أن تتحرك.

لكن الحقيقة، بطبيعتها، لا تقبل أن تُدفن طويلًا.

هي تشبه الضوء حين يتسلل من شق صغير في جدار مظلم؛ قد يبدو ضعيفًا في البداية، لكنه كافٍ ليكشف ما حاولنا طويلًا ألا نراه.

ولعل أكثر ما يميز الإنسان الواعي ليس أنه يملك الحقيقة كاملة، بل أنه يملك الشجاعة الكافية للاقتراب منها، حتى حين تكون ثقيلة.

فالحقيقة قد تربك، وقد تزعج، وقد تغيّر نظرتنا إلى أشياء كثيرة… لكنها في النهاية الشيء الوحيد القادر على أن يجعل العالم أكثر صدقًا، وأكثر وضوحًا.

وهكذا يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل إنسان:

هل نبحث عن الحقيقة لأنها مريحة… أم لأننا ندرك، في أعماقنا، أن الحياة بدونها أخف وزنًا، لكنها أقل معنى؟


— ساره عبد الحكيم